جلالة الملك عبدالله الثاني في نيويورك يضع الخط الأحمر
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 732

لا تختبروا الأردن
جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة إلى إسرائيل ومن يحميها سياسيا — لا تختبروا الأردن
لم تكن كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم مجرد خطاب جديد عن غزة أو الضفة الغربية أو القدس ولم تكن تكرارا للمواقف الأردنية التي اعتاد العالم سماعها في كل دورة من دورات الأمم المتحدة هذه المرة كان في الكلام شيء مختلف في النبرة وفي ترتيب الرسائل وفي المساحة التي احتلها أمن الأردن داخل خطاب يفترض أنه يتحدث عن حرب فلسطين والمنطقة كلها
جلالة الملك لم يقف أمام العالم ليطلب من أحد أن يمنح الأردن الحماية ولم يذهب إلى نيويورك ليقدم الأردن باعتباره دولة تنتظر من الآخرين أن يدافعوا عن حدودها ومصالحها بل وضع المعادلة أمام المجتمع الدولي بصورة مباشرة نحن نتمسك بالدبلوماسية ونفتح أبواب الحوار ونتمسك بالسلام ولكن لا أحد يملك أن يقرأ هذا الهدوء باعتباره ضعفا ولا أحد يملك أن يتعامل مع الأردن باعتباره دولة يمكن أن تتحمل نتائج سياسات الآخرين إلى ما لا نهاية
وهنا تحديدا كانت الرسالة الأكثر وضوحا في خطاب جلالة الملك
فالذي يراقب ما يجري في فلسطين منذ سنوات ثم ينظر إلى ما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية لا يستطيع أن يفصل بين الأمرين وبين التحولات الخطيرة التي بدأت تفرض نفسها على الأرض إسرائيل لا تكتفي بإدارة الصراع بل إن الوقائع التي تتشكل في الضفة الغربية من استيطان ومصادرة للأراضي وتصاعد للعنف ومحاولات للتهجير تدفع باتجاه واقع جديد وهذا هو الخطر الذي وضعه جلالة الملك أمام العالم لأن تغيير طبيعة الأرض والسكان بالقوة لا يبقى شأنا فلسطينيا عندما تكون الأرض على تماس مباشر مع الأردن
الأردن يعرف جيدا أن الضفة الغربية ليست خريطة بعيدة عن حساباته وأن أي محاولة لدفع الفلسطينيين إلى خارج أرضهم لن تكون مجرد أزمة إنسانية يمكن للأردن أن يكتفي بمراقبتها من خلف الحدود ولهذا جاء موقف جلالة الملك واضحا في رفض التهجير وفي التشديد على ضرورة بقاء الفلسطينيين على أرضهم وعلى حقهم في دولة مستقلة وعلى ضرورة وقف تحويل الاحتلال إلى واقع دائم
لكن الرسالة لم تتوقف عند الضفة
جلالة الملك فتح ملفا آخر شديد الحساسية عندما تحدث عن جنوب سوريا وعن التوغلات الإسرائيلية وفرض الوقائع الجديدة على الأرض والمساس بمصادر المياه الحيوية وهنا يصبح المشهد بالنسبة إلى الأردن أكثر تعقيدا لأن الجغرافيا لا تسمح للأردن بأن يتعامل مع ما يجري حوله باعتباره أحداثا منفصلة فلسطين غربا وسوريا شمالا والمياه والحدود في قلب الأمن الوطني وكل تغيير في هذه البيئة ينعكس في النهاية على الأردن
ولهذا فإن العبارة التي قال فيها جلالة الملك إن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه لم تكن جملة بروتوكولية في خطاب دولي بل كانت رسالة سياسية واضحة إلى كل من يعنيه الأمر
إلى إسرائيل أولا وإلى كل طرف إقليمي يمكن أن يفكر في اختبار حدود الأردن وإلى الدول التي تمنح إسرائيل الغطاء السياسي ثم تتحدث في الوقت نفسه عن احترام القانون الدولي
فالمشكلة التي طرحها جلالة الملك لم تكن فقط في الأفعال الإسرائيلية بل في البيئة الدولية التي تسمح باستمرارها
ما قيمة القرارات الدولية إذا بقيت حبرا على ورق
ما قيمة الحديث عن القانون الدولي إذا كانت بعض الدول مطالبة بالالتزام به بينما تستطيع دول أخرى تجاوز قرارات المجتمع الدولي دون أن تواجه الكلفة نفسها
وما قيمة كل بيانات القلق والإدانة إذا كان الواقع على الأرض يتحرك في الاتجاه المعاكس لكل هذه البيانات
هنا وجه جلالة الملك واحدة من أقسى رسائله إلى المجتمع الدولي نفسه حين تحدث عن شعور الحكومة الإسرائيلية بأنها تستطيع الإفلات من العقاب وأن استمرار غياب المساءلة يشجع على المزيد من التوسع والتجاوز
وهذه ليست رسالة إلى نتنياهو وحده
إنها رسالة أيضا إلى من يوفر له الغطاء السياسي
إلى من يملك أدوات الضغط ثم يتردد في استخدامها
إلى من يستطيع أن يفرض عقوبات أو عزلة أو إجراءات سياسية واقتصادية لكنه يكتفي بإصدار البيانات
فإذا كانت إسرائيل ترى أن المجتمع الدولي سيبقى يتحدث بينما هي تواصل فرض الوقائع فإن المشكلة لا تعود مشكلة إسرائيل وحدها وإنما تصبح مشكلة النظام الدولي الذي سمح لهذه المعادلة أن تستمر
وهنا تكمن خطورة خطاب جلالة الملك
لقد وضع إسرائيل أمام مسؤوليتها ووضع داعميها أمام مسؤوليتهم ووضع المجتمع الدولي أمام تناقضه
لا يمكن أن تطلبوا من الأردن أن يؤمن بالسلام بينما تسمحون بتقويض شروط السلام
ولا يمكن أن تطلبوا من الأردن أن يظل هادئا بينما تتغير البيئة المحيطة به بالقوة
ولا يمكن أن تتحدثوا عن حل الدولتين بينما تتوسع الوقائع التي تجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة
ولا يمكن أن تتحدثوا عن الاستقرار بينما تستمر سياسات تؤدي إلى مزيد من التهجير والتطرف والانفجار
جلالة الملك لم يعلن الحرب على إسرائيل وهذا أمر واضح ولم يوجه تهديدا عسكريا مباشرا إليها لكنه فعل شيئا آخر أكثر أهمية من الناحية السياسية لقد أعاد تعريف الهدوء الأردني
الهدوء ليس ضعفا
والدبلوماسية ليست استسلاما
والحرص على السلام ليس تنازلا عن السيادة
والصبر الأردني ليس شيكا مفتوحا لأي طرف يريد اختبار قدرة الأردن على التحمل
وهنا يجب أن تقرأ إسرائيل الرسالة بعيدا عن الانفعال
الأردن لا يبحث عن حرب ولا يريد فتح جبهة جديدة ولا يريد أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة شاملة لكنه في الوقت نفسه لن يسمح بأن تتحول نتائج الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين إلى عبء أردني وأن يصبح الأردن هو المكان الذي تنتهي إليه نتائج التهجير أو الفوضى أو تغيير الواقع الجغرافي والسياسي في الضفة الغربية
وهذه هي النقطة التي تجعل خطاب جلالة الملك مختلفا
لقد جمع بين قضيتين تحاول بعض القراءات السياسية الفصل بينهما
دعم الفلسطينيين وحماية الأردن
في الخطاب الأردني لا يوجد تعارض بين الاثنين
الأردن يدعم صمود الفلسطينيين لأن بقاء الفلسطيني على أرضه جزء من منع التهجير ومنع تصفية القضية الفلسطينية
وفي الوقت نفسه يحمي الأردن حدوده وأمنه ومياهه ومصالح شعبه لأنه لا يستطيع أن يسمح بأن تتحول القضية الفلسطينية إلى مدخل لتهديد الدولة الأردنية
ومن هنا جاءت الرسالة إلى إسرائيل ومن يقف خلفها
إذا كنتم تريدون سلاما حقيقيا فالأردن موجود
إذا كنتم تريدون حوارا فالأردن موجود
إذا كنتم تريدون حلا سياسيا فالأردن موجود
لكن إذا كان المطلوب أن يقبل الأردن بالتهجير أو بتغيير الواقع في الضفة أو بتهديد حدوده ومصالحه ثم يطلب منه أن يواصل الصمت باسم الدبلوماسية فهذه معادلة أخرى
وهذه المعادلة لا يقبلها الأردن
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده أن جلالة الملك قال إن الدبلوماسية الأردنية لا ينبغي أن يساء تفسيرها على أنها ضعف
هذه العبارة تختصر الخطاب كله
فالأردن الذي اختار طوال السنوات الماضية لغة الحوار والقانون الدولي والسلام لم يتخل عن أدوات القوة الوطنية ولا عن حقه في حماية أمنه
والدولة التي تتمسك بالدبلوماسية ليست دولة عاجزة بالضرورة بل قد تكون دولة تدرك أن الحرب ليست هدفا وأن الردع الحقيقي يبدأ عندما يعرف الآخر أن تجاوز الخطوط الحمراء ستكون له تبعات
ولهذا فإن رسالة نيويورك ليست رسالة غضب أردني عابر
إنها رسالة إعادة تعريف للحدود التي يجب ألا يتجاوزها أحد
حدود الأردن ليست مجالا للمساومة
أمن الأردن ليس تفصيلا في الصراع
المياه الأردنية ليست ورقة تفاوض
والضفة الغربية ليست ملفا يمكن تغييره بالقوة ثم مطالبة الأردن بالتعامل مع نتائجه
والقدس والمقدسات ليست تفصيلا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية
أما الفلسطينيون فلن يتخلى الأردن عن دعم صمودهم وحقهم في الحياة على أرضهم وحقهم في دولة مستقلة
وهنا تصبح الرسالة التي خرجت من نيويورك أكثر من مجرد خطاب ملكي
إنها رسالة إلى إسرائيل وإلى واشنطن وإلى العواصم الأوروبية وإلى كل من يستطيع التأثير في مسار الأحداث
إذا كان العالم يريد السلام فعليه أن يمنع تحويل الاحتلال إلى واقع دائم
وإذا كان يريد الاستقرار فعليه أن يمنع التهجير
وإذا كان يريد حل الدولتين فعليه أن يحمي إمكانية قيام الدولتين
وإذا كان يريد من الأردن أن يبقى شريكا في صناعة السلام فعليه أن يفهم أن الأردن لن يكون شريكا في صناعة الفوضى
جلالة الملك عبدالله الثاني لم يرفع صوته
لكنه رفع سقف الرسالة
لم يهدد بالحرب
لكنه تحدث عن حماية الأردن
لم يغلق باب الدبلوماسية
لكنه حذر من تفسيرها كضعف
لم يتخل عن الفلسطينيين
لكنه وضع أمن الأردن في مقدمة الثوابت التي لا يمكن العبث بها
ولهذا فإن من يجب أن يتوقف عند خطاب نيويورك ليس الأردن وحده
بل إسرائيل ومن يدعمها ومن يوفر لها الغطاء ومن يعتقد أن الزمن قادر على تحويل كل انتهاك إلى أمر واقع
فالزمن لا يمنح أحدا الحق في تغيير الجغرافيا بالقوة
والقرارات الدولية لا تصبح بلا قيمة لمجرد أن أحدا قرر تجاهلها
والأردن لن يقبل أن يتحول صبره إلى سوء تقدير من الآخرين
لقد قال جلالة الملك كلمته من قلب الأمم المتحدة
السلام نعم
الدبلوماسية نعم
الحوار نعم
دعم فلسطين نعم
لكن أمن الأردن وسيادته ومصالح شعبه ليست ورقة على طاولة أحد
ومن أراد أن يختبر هذه الحقيقة فعليه أولا أن يتذكر أن الأردن اختار السلام لكنه لم يختر الاستسلام
