هل ولاية الفقيه دولة مواطنة أم دولة مذهب؟
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 558

قراءة في الدستور الإيراني وحدود المساواة بين المسلمين داخل الجمهورية الإسلامية
بقلم: ماجد الفاعوري
حين تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها باعتبارها دولة إسلامية تحمل مشروعاً لوحدة المسلمين، فإن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه ليس ما إذا كان النظام يسمح للمسلمين السنة بممارسة شعائرهم أو انتخاب نواب عنهم فحسب، وإنما السؤال الأعمق هو: هل المواطنة في إيران هي المعيار الأعلى للوصول إلى السلطة، أم أن الانتماء إلى المذهب الرسمي يبقى حداً دستورياً وسياسياً لا يستطيع المواطن تجاوزه؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى شعارات ولا إلى خصومة مذهبية حتى يُطرح، لأن الإجابة موجودة في نص الدستور الإيراني نفسه.
الدستور ينص في المادة 11 على أن جميع المسلمين أمة واحدة، ويضع على الدولة واجب العمل على تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم الإسلامي. ويؤكد في المادة 12 أن المذهب الجعفري الاثني عشري هو المذهب الرسمي للدولة، مع الاعتراف بالمذاهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية والزيدية ومنح أتباعها حق ممارسة شعائرهم وفق مذاهبهم. وفي الوقت نفسه تنص المادة 13 على أن الزرادشتيين واليهود والمسيحيين هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها دستورياً. (مشروع الدستور)
وهنا تبدأ المفارقة الأولى.
السني في إيران ليس أقلية دينية معترفاً بها بالمعنى الدستوري، لأنه مسلم ومن أتباع أحد المذاهب التي يعترف بها الدستور، لكنه في الوقت نفسه لا ينتمي إلى المذهب الرسمي للدولة.
وهذا التفصيل ليس لغوياً، لأنه ينعكس مباشرة على بنية السلطة.
فالمادة 64 تخصص خمسة مقاعد في مجلس الشورى للأقليات الدينية غير المسلمة المعترف بها دستورياً: مقعد للزرادشتيين ومقعد لليهود ومقعد للآشوريين والكلدان ومقعدان للأرمن. وتؤكد بيانات الاتحاد البرلماني الدولي أن هذه المقاعد الخمسة محجوزة دستورياً ضمن مجلس مؤلف من 290 مقعداً. أما السنة فلا توجد لهم حصة دستورية مماثلة؛ وإنما يدخل المرشحون السنة إلى الانتخابات العامة في دوائرهم مثل بقية المرشحين. (IPU بارلاين)
وهنا لا يصح القول إن السنة لا يملكون تمثيلاً نيابياً، فهذا غير صحيح. فقد وصل نواب سنة إلى مجلس الشورى عبر الانتخابات العامة، وأظهرت دراسة للتمثيل البرلماني أن 136 نائباً سنياً انتُخبوا خلال أول 12 دورة للبرلمان بعد الثورة، بما يقارب 6% من مجموع النواب في تلك الفترة، مع التنبيه إلى أن الدراسة نفسها تشير إلى احتمال وجود نواقص في قاعدة بياناتها. (إيران اليوم)
لكن وجود النائب السني في البرلمان لا يجيب عن السؤال الأكبر: إلى أي مدى يستطيع المواطن السني أن يصعد في هرم السلطة؟
هنا يصبح النص الدستوري أكثر وضوحاً.
فالمادة 115 تشترط في رئيس الجمهورية أن يكون المرشح مؤمناً بالمبادئ الأساسية للجمهورية الإسلامية وبـ«المذهب الرسمي للبلاد»، والمذهب الرسمي بحسب المادة 12 هو المذهب الجعفري الاثنا عشري. وبذلك فإن أعلى منصب تنفيذي منتخب مباشرة من الشعب مرتبط دستورياً بالانتماء إلى المذهب الرسمي للدولة. (مشروع الدستور)
وهذه ليست مسألة نظرية هامشية، لأن رئيس الجمهورية في النظام الإيراني هو رئيس السلطة التنفيذية والمسؤول عن إدارة الحكومة، وإن كانت صلاحياته محكومة بالبنية الأعلى للقيادة.
أما في قمة النظام نفسها، فالمادة 5 تجعل «ولاية الأمر وإمامة الأمة» بيد الفقيه العادل في زمن غيبة الإمام، والمادة 107 تنص على أن مجلس خبراء القيادة يختار القائد من بين الفقهاء الذين تنطبق عليهم الشروط الدستورية، بينما تشترط المادة 109 امتلاك الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء والرؤية السياسية والقدرة على القيادة. وهذا يعني أن جوهر منصب القائد نفسه قائم على نموذج الفقيه ضمن البنية المذهبية التي يقوم عليها النظام. (مشروع الدستور)
ومن هنا يصبح السؤال السياسي أكثر حدة: هل الدولة الإيرانية دولة مواطنين متساوين في الوصول إلى السلطة، أم دولة تقوم على مواطنة عامة داخل إطار مرجعية مذهبية حاكمة؟
الجواب الأدق، وفق النصوص، أن إيران تجمع بين الأمرين بدرجات مختلفة. فهي تمنح غير الجعفريين من المسلمين اعترافاً دستورياً بحقوق مذهبية محددة، وتتيح للسنة انتخاب نواب، لكنها في الوقت نفسه تثبت الجعفرية الاثني عشرية باعتبارها المذهب الرسمي، وتربط بعض المواقع السياسية الأساسية بهذا الإطار. لذلك لا يمكن وصف النظام بأنه نظام مواطنة محايد دينياً بالمعنى الليبرالي، كما لا يصح وصفه أيضاً بأنه يمنع السنة من المشاركة السياسية بالكامل.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط النقاش حول ولاية الفقيه.
الدستور لا يقول فقط إن الإسلام دين الدولة، بل يجعل المذهب الجعفري الاثني عشري جزءاً من الهوية الدستورية غير القابلة للتغيير. فالنص المتعلق بتعديل الدستور يعتبر «الدين الرسمي لإيران والمذهب الجعفري الاثني عشري» من المبادئ غير القابلة للتعديل. أي أن المسألة ليست مجرد غالبية مذهبية أو اختيار انتخابي يمكن أن يتغير مع تغير المجتمع، بل جزء ثابت من البنية الدستورية. (مشروع الدستور)
وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية في تقييم خطاب «وحدة الأمة الإسلامية».
إذا كانت جميع المذاهب الإسلامية جزءاً من أمة واحدة، وإذا كانت الدولة تقول في المادة 11 إنها تسعى إلى الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم الإسلامي، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لا تكون المواطنة وحدها كافية للوصول إلى المواقع السياسية العليا؟
قد يقال إن هذا ليس تمييزاً ضد السنة لأن النظام لا يمنعهم من البرلمان ولا من المشاركة السياسية ولا من ممارسة شعائرهم وفق المادة 12. وهذا صحيح جزئياً وينبغي الاعتراف به. لكن في المقابل تبقى الحقيقة الدستورية أن المذهب الرسمي للدولة يدخل في شروط رئاسة الجمهورية وأن النظام نفسه يقوم على ولاية الفقيه، وهي صيغة دينية سياسية مرتبطة بالبنية الفقهية الجعفرية الاثني عشرية. (مشروع الدستور)
وهكذا لا تعود القضية: هل السنة موجودون في الدولة؟
بل تصبح: هل هم متساوون مع المواطن الجعفري في سقف السلطة السياسية؟
وهذا فرق جوهري.
فالتمثيل البرلماني شيء، والمساواة في شروط الوصول إلى قمة الدولة شيء آخر. يمكن أن يكون للمواطن مقعد في البرلمان، وأن ينتخب ويُنتخب، وأن يمارس شعائره، ومع ذلك تظل هناك مناصب لا يستطيع الوصول إليها لأن الدستور وضع شرطاً مذهبياً لشاغلها.
وهنا تظهر مفارقة أخرى أكثر إثارة للاهتمام.
الأقليات الدينية غير المسلمة المعترف بها تمتلك مقاعد برلمانية محجوزة دستورياً، في حين أن السنة، رغم كونهم مسلمين ويشكّلون نسبة أكبر بكثير من تلك الجماعات، لا يملكون حصة برلمانية مذهبية خاصة بهم، وإنما يعتمد تمثيلهم على الفوز في الدوائر الانتخابية العامة. وبحسب بيانات الاتحاد البرلماني الدولي، توجد خمسة مقاعد محجوزة للأقليات الدينية، بينما لا توجد حصة مماثلة للسنة. (IPU بارلاين)
لكن المفارقة هنا تحتاج إلى قراءة قانونية هادئة لا إلى خطاب دعائي؛ فالسبب هو أن الدستور يصنف السنة باعتبارهم مسلمين ضمن «المذاهب الإسلامية» وليس ضمن «الأقليات الدينية» الواردة في المادة 13. لذلك فإن المقارنة بين المقاعد الخمسة وبين السنة لا تعني بالضرورة أن المشرّع الإيراني يعتبر السنة أقل شأناً من المسيحيين أو اليهود أو الزرادشتيين، وإنما تعكس اختلاف التصنيف الدستوري نفسه. (مشروع الدستور)
ومع ذلك تبقى الأسئلة السياسية قائمة: إذا كان المسلم السني جزءاً من الأمة التي تقول الدولة إنها تسعى إلى وحدتها، فهل تكفي الحرية المذهبية إذا بقيت أعلى المواقع السياسية محكومة بانتماء مذهبي محدد؟
وهنا يصبح مفهوم ولاية الفقيه محوراً لا يمكن تجاهله.
فالولاية ليست مؤسسة دينية تعمل خارج الدولة، بل هي جزء من بنية الدولة نفسها. الدستور يمنح القائد سلطة رسم السياسات العامة للنظام والقيادة العامة للقوات المسلحة وإعلان الحرب والسلام وتعيين كبار القادة، فيما يجعل المادة 4 جميع القوانين والأنظمة خاضعة للموازين الإسلامية ويمنح فقهاء مجلس صيانة الدستور دوراً في تشخيص مدى توافق القوانين معها. (مشروع الدستور)
وبذلك فإن الدولة لا تقول فقط «نحن دولة ذات أغلبية شيعية»، وإنما تبني جزءاً من شرعيتها السياسية والمؤسساتية على مرجعية دينية وفقهية محددة.
وهذه هي النقطة التي تجعل الجدل حول ولاية الفقيه مختلفاً عن الجدل حول وجود دين رسمي في الدولة.
فقد يكون للدولة دين رسمي، بينما تبقى السلطة السياسية مفتوحة للمواطنين بصرف النظر عن مذاهبهم. أما في الحالة الإيرانية، فإن بعض أعلى مواقع السلطة ترتبط صراحة بالمذهب الرسمي أو بالبنية الفقهية التي يقوم عليها النظام. وهنا يتخذ الدين موقعاً دستورياً يتجاوز مجرد الهوية الثقافية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا يصبح الحديث عن ازدواجية الخطاب مشروعاً بحثياً.
في الخارج، تقدم إيران نفسها باعتبارها قوة تدافع عن المستضعفين وتناهض الهيمنة وتدعو إلى وحدة المسلمين. وفي الداخل، توجد بنية دستورية تربط الدولة بمذهب محدد وتضع شروطاً مذهبية للوصول إلى أحد أهم المناصب المنتخبة. المقارنة بين الخطابين لا تكفي وحدها لإثبات «نفاق سياسي»، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى اتساق مفهوم الوحدة الإسلامية مع نظام سياسي يجعل المذهب الرسمي جزءاً ثابتاً من هويته الدستورية.
والأهم من ذلك كله أن هذا النقد لا يحتاج إلى تحويل السنة والشيعة إلى معسكرين متخاصمين، ولا يحتاج إلى إنكار أن الدستور الإيراني يعترف رسمياً بعدد من المذاهب السنية ويمنح أتباعها حقوقاً مذهبية محددة. المادة 12 نفسها صريحة في هذا الجانب. (مشروع الدستور)
لكن في السياسة لا تكفي الحقوق الجزئية وحدها لفهم المساواة الكاملة.
المعيار الأكثر صرامة هو: هل يملك المواطن نفسه السقف الدستوري نفسه للوصول إلى كل مؤسسات الدولة؟
وفي إيران، النص الدستوري يقدم إجابة مركبة: نعم للمشاركة السياسية والتمثيل النيابي بالنسبة إلى السنة، لكن لا توجد مساواة مذهبية كاملة في شروط الوصول إلى بعض المواقع العليا، لأن المذهب الرسمي يدخل صراحة في بنية الدولة وشروط رئاسة الجمهورية، فيما تقوم القيادة نفسها على ولاية الفقيه والفقهاء المؤهلين لهذا الدور. (مشروع الدستور)
ومن هنا يمكن أن تتحول القضية إلى واحدة من أكثر النقاط قوة في نقد مشروع ولاية الفقيه:
إن الدولة التي تقول إن المسلمين أمة واحدة تواجه سؤالاً لا تستطيع الشعارات الإجابة عنه: هل الوحدة التي تتحدث عنها وحدة أمة، أم وحدة تحت مرجعية مذهبية وسياسية محددة؟
فإذا كانت المواطنة هي الأساس، ينبغي أن تكون الكفاءة والقانون والانتخاب هي المعايير الحاكمة للوصول إلى السلطة. وإذا كان المذهب جزءاً من شروط الوصول إلى بعض أعلى المناصب، فإن النظام يصبح أقرب إلى دولة ذات مرجعية مذهبية مؤسسية لا إلى دولة محايدة بين المذاهب.
وهذا هو جوهر القضية.
ليس الاعتراض على أن يكون للإيرانيين مذهب أو عقيدة أو مرجعية دينية، فهذا حق طبيعي للمجتمع. وليس الاعتراض على ممارسة السنة لشعائرهم، فالدستور يعترف بذلك. وإنما السؤال يتعلق بموقع المذهب الرسمي داخل الدولة وبالحدود التي يرسمها هذا الموقع أمام مبدأ المساواة السياسية.
وعندما نضع هذه المسألة إلى جانب تصدير الثورة ودور الحرس الثوري والسياسة الإقليمية الإيرانية، يصبح البحث أكثر تعقيداً: نظام ديني مذهبي في الداخل، ومشروع لوحدة المسلمين في الخطاب الخارجي، وشبكة نفوذ عابرة للحدود تتجاوز الانتماءات المذهبية أحياناً عندما تقتضي المصالح الاستراتيجية ذلك.
هذه ليست تهمة جاهزة، بل مفارقة سياسية تستحق الدراسة.
فإيران قد تتعاون مع حركات سنية مثل حماس والجهاد الإسلامي، وقد تتحالف مع دول وأنظمة لا تقوم على الولاية الدينية، وهو ما يثبت أن السياسة الإيرانية لا تتحرك بمذهب واحد فقط، بل بمزيج من العقيدة والأمن والجغرافيا السياسية والمصلحة. لكن ذلك لا يلغي أن بنية الدولة نفسها تظل مرتبطة بمذهب رسمي وبولاية فقيه ذات طبيعة مذهبية محددة.
ولهذا فإن السؤال النهائي في هذا الفصل ليس: هل إيران دولة شيعية؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى كل هذا البحث.
السؤال الحقيقي هو:
ماذا يحدث عندما تصبح مرجعية مذهبية محددة جزءاً من بنية الدولة غير القابلة للتغيير، بينما تقدم الدولة نفسها في خطابها الخارجي باعتبارها مشروعاً لوحدة المسلمين؟
وهنا تتقاطع أزمة المواطنة مع أزمة ولاية الفقيه ومع سؤال أوسع عن العلاقة بين الدين والسلطة.
فالدولة الحديثة تستطيع أن تكون مسلمة في هويتها وثقافتها، لكنها كلما ربطت الحقوق السياسية العليا بمذهب محدد، يصبح التحدي قائماً أمام مفهوم المساواة بين مواطنيها.
ومن هنا فإن نقد ولاية الفقيه لا ينبغي أن يتحول إلى نقد للتشيع، كما أن الدفاع عن التشيع لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع تلقائي عن ولاية الفقيه.
التشيع مذهب، وولاية الفقيه نظرية حكم، والجمهورية الإسلامية نظام سياسي. وبين هذه المستويات الثلاثة مسافة علمية وسياسية لا يجوز إلغاؤها.
وهذه المسافة بالذات هي التي تجعل السؤال أكثر وضوحاً:
هل ولاية الفقيه دولة مواطنة تستند إلى الدين، أم دولة مذهب تستخدم مؤسسات المواطنة داخل إطار مذهبي ثابت؟
الإجابة لا تُحسم بالشعارات، وإنما بالنصوص الدستورية وبقواعد الوصول إلى السلطة وبما إذا كان المواطن، أياً كان مذهبه، يملك السقف السياسي نفسه.
ماجد الفاعوري
