في بلاد الواق واق
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 230

في بلاد الواق واق، يعمل الدكتور والمهندس والأكاديمي بائعًا متجولًا أو فرنجيًا أو عامل بناء، ويُعيَّن من لا يملك الكفاءة رئيسًا لجامعة، ومن لا يملك الخبرة مديرًا للأمن، ومن لا يستحق المنصب في موقع المسؤولية، بينما يُهمَّش أصحاب العلم والخبرة والكفاءة.
في بلاد الواق واق، تتقدم الولاءات على الكفاءات، وتعلو المحسوبية على الشهادة، ويصبح القرب من أصحاب النفوذ أهم من سنوات الدراسة والخبرة. يتسيد المشهد أصحاب المصالح والمنافقون والدجالون، ومن يجيدون التملق ومسح أحذية الموالين، ومن يبالغون في تمجيد الفرد وإضفاء القداسة على السلطة، بينما يُستبعد الأحرار ويُقصى الشرفاء عن مواقعهم، ويهان العزيز ويُهمَّش الكريم، ويبتعد الوطنيون الأوفياء عن مواقع القرار.
في بلاد الواق واق، يُعاقَب المجد والمجتهد والمخلص في عمله بالتجاهل، بينما تُمنح المكافآت والعلاوات والمناصب لمن لا يؤدي واجبه كما ينبغي، وكأن الإهمال أصبح فضيلة والاجتهاد تهمة.
في بلاد الواق واق، لا جدوى أحيانًا من المؤهلات والشهادات والكفاءات، فالوساطات والسلالات والولاءات والمناطقية والحزبية قد تتحول إلى شهادة أعلى من كل الشهادات، وطريق أسرع من كل الطرق للوصول إلى أعلى الدرجات والمناصب.
في بلاد الواق واق، يولد ابن السيد فيجد الطريق ممهدًا أمامه، ويجد ابن المسؤول أبواب الوظيفة مفتوحة، ويجد ابن السفير طريقه إلى المناصب، ويصعد ابن الوزير درجة بعد أخرى، بينما يقف ابن الفقير طويلًا أمام أبواب الفرص المغلقة، يبحث عن وظيفة تحفظ كرامته وتمنحه حقه الطبيعي في الحياة.
في بلاد الواق واق، أصبح الفقر سيد المكان، والجوع صاحب سلطة، والمرض رفيقًا دائمًا للأجساد والقلوب، وأصبح المواطن البسيط يركض خلف أساسيات الحياة وكأنها امتيازات لا حقوق.
في بلاد الواق واق، تُسرق الرواتب، وتضيع المساعدات الإنسانية، وتتسرب الأدوية والمواد الغذائية والمشتقات النفطية إلى الأسواق السوداء، بينما يقف المواطن أمام أبواب الحاجة منتظرًا ما يسد رمقه ويحفظ كرامته.
في بلاد الواق واق، يموت بعض الأغنياء من التخمة، بينما يكابد المواطن البسيط أرصفة الحاجة والجوع، ويقف طويلًا في طوابير الغاز والخبز والماء، وكأن أبسط مقومات الحياة أصبحت حلمًا بعيد المنال.
في بلاد الواق واق، يذهب أبناء الأثرياء والمسؤولين إلى المدارس والجامعات ليحصدوا أعلى الشهادات، بينما يُدفع أبناء الفقراء إلى أصعب الظروف، ويُطلب منهم أن يتحملوا وحدهم ثمن الأزمات، وأن يقدموا كل شيء في سبيل إرضاء أصحاب النفوذ.
في بلاد الواق واق، كل شيء يبدو محرمًا على المواطن إلا الصبر على الظلم، وتحمل الغلاء، والوقوف في الطوابير، والبحث عن لقمة العيش بين الأزمات المتلاحقة.
في بلاد الواق واق، يُحرم المواطن من الماء والدواء والكهرباء والغذاء والسلام والأمان والحرية، ثم يُطلب منه أن يكون صابرًا وممتنًا، وكأن الفقر قدر لا يمكن تغييره، وكأن الكرامة رفاهية لا حقًا أصيلًا.
في بلاد الواق واق، قد يدفع الجوع بعض الناس إلى بيع ما لا يملكون، والتنازل عما لا يريدون، وقبول ما كانوا يرفضونه، فقط من أجل كيس من القمح أو علبة من الزيت أو شربة من الماء.
في بلاد الواق واق، ما زالت الأرض والثروة والفرص في أحيان كثيرة رهينة لمن يملك النفوذ، إن شاء أعطى وإن شاء منع، حتى يصبح حق الإنسان في العمل والعيش الكريم مرتبطًا برضا صاحب السلطة أو صاحب النفوذ.
في بلاد الواق واق، كل شيء غالٍ وباهظ الثمن، إلا الإنسان، فكأن كرامته أصبحت أرخص ما في هذا العالم.
في بلاد الواق واق، تُنتهك الحرمات، وتُمس كرامة الحرائر، وتُستخدم التهم والافتراءات وسيلة للضغط والإخضاع، وتتحول بعض السجون والمعتقلات إلى أدوات لإسكات الأصوات وإرهاب أصحاب الرأي وإطفاء روح المقاومة.
في بلاد الواق واق، تُقتحم البيوت، ويُطرد أهلها، وتُهدم أماكن العبادة، وتُمس حرمة المدارس ودور العلم، ويُستغل الدين في الصراعات، ويصبح الاختلاف في الرأي سببًا للتخوين والإقصاء.
أيها الإخوة...
تلك ليست بلادنا.
تلك بلاد الواق واق.
لكن أخطر ما في بلاد الواق واق أن الإنسان قد يعتاد المشهد، وأن يتحول الظلم إلى عادة، والمحسوبية إلى قانون غير مكتوب، والفساد إلى أمر مألوف، والفقر إلى قدر، والصمت إلى وسيلة للنجاة.
وحين يعتاد الناس كل ذلك، لا يعود السؤال: من فعل؟
بل يصبح السؤال الأهم:
كيف سمحنا بأن يصبح هذا طبيعيًا؟
فالبلاد لا تنهض حين يتقدم المتملق ويتراجع الكفء، ولا حين يصبح المنصب مكافأة للولاء، ولا حين يكون الفقر نصيب الفقراء وحدهم، ولا حين تُقاس قيمة الإنسان بقربه من صاحب القرار.
البلاد تنهض حين يصبح العلم قيمة، والكفاءة معيارًا، والعدل قانونًا، والوظيفة حقًا لا غنيمة، والكرامة حقًا لا منحة، والإنسان أغلى من المنصب والثروة والسلطة.
تلك هي بلاد الواق واق...
وأي تشابه بينها وبين أي بلاد أخرى، فهو من قبيل المصادفة طبعًا.
ماجد الفاعوري
