يا دكتور عبد الخالق عبد الله... لا تختزلوا الأردن في انطباع عابر
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 377

مع كامل الاحترام لموقعكم الأكاديمي، فإن اختزال موقف الأردن والأردنيين من الصواريخ الإيرانية التي استهدفت إسرائيل في مشاهد تعاطف صدرت عن فئة من الشارع، ثم اتخاذها معياراً للحكم على موقف شعب بأكمله من دول الخليج العربي، ليس قراءة سياسية رصينة بقدر ما هو استنتاج متسرّع يكشف نقصاً في الإحاطة بالمشهد الأردني وقصوراً في فهم تعقيداته
نحن الأردنيين مع عمقنا العربي، ومع أمن دول الخليج واستقرارها، ونرفض استهداف أي دولة عربية أو المساس بسيادتها وأمن شعوبها، أياً كانت الذرائع والجهات التي تقف وراء الاستهداف. وهذا ليس موقفاً طارئاً تفرضه تغريدة أو تمليه حسابات اللحظة، بل هو امتداد لهوية الأردن السياسية وموقفه التاريخي. ومن يريد أن يعرف موقف الأردنيين من أشقائهم الخليجيين، فعليه أن يقرأ تاريخ العلاقات والمواقف والتضحيات، لا أن يستخلص أحكامه من مشهد في الشارع أو تعليق على منصة تواصل اجتماعي
أما التعاطف مع فلسطين، فلا يجوز تحويله إلى تهمة، ولا يجوز في المقابل استخدامه صكّاً لتبرير كل ما تفعله إيران أو غيرها. فالأردني الذي يرى في استهداف إسرائيل لحظة تشفي من عدو يواصل قتل الفلسطينيين وتدمير غزة، ليس بالضرورة مؤيداً للمشروع الإيراني، ولا مقتنعاً بأن صواريخ طهران جاءت لتحرير فلسطين. ثمة فرق شاسع بين أن يتمنى الإنسان أن يرى إسرائيل عاجزة عن فرض إرادتها المطلقة، وبين أن يمنح إيران تفويضاً مفتوحاً للعبث بأمن المنطقة ومصائر شعوبها
وهنا تكمن المأساة السياسية والنفسية التي يبدو أن بعض القراءات تتجاهلها. حين تتراكم مشاهد القتل والدمار في غزة، ويشعر الإنسان بالعجز أمام حجم المأساة وهشاشة الموقف العربي، يصبح أي تصدع في صورة القوة الإسرائيلية لدى بعض الناس باعثاً على شعور عابر بالانتصار، حتى لو لم تكن نتائجه نصراً فلسطينياً حقيقياً، وحتى لو لم تكن فلسطين هي الغاية من تلك الصواريخ أصلاً. إنه تعبير عن الإحباط والعجز بقدر ما هو تعبير عن الرغبة في رؤية إسرائيل تدفع ثمناً لعدوانها، وليس بالضرورة إعلان ولاء لإيران أو اصطفافاً خلف مشروعها الإقليمي
ولا ينبغي أن ننسى أن ما وصلت إليه غزة من دمار وركام ومأساة إنسانية لا يمكن فصله عن العدوان الإسرائيلي المدمر، كما لا يجوز إعفاء قيادة حماس من المساءلة السياسية عن حساباتها وقراراتها وتقديراتها، ولا سيما حين تكون الشعوب هي التي تدفع أثمان المغامرات غير المحسوبة. نقد قرار سياسي أو عسكري لا يعني تبرير جرائم الاحتلال، كما أن رفض الاحتلال لا يعني التسليم بأن كل من يرفع شعار المقاومة يمتلك بالضرورة استراتيجية ناجحة أو مشروعاً يخدم الفلسطينيين
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح على أصحاب التحليلات السياسية ليس: لماذا تعاطف بعض الأردنيين مع الصواريخ التي أصابت إسرائيل؟ بل: كيف وصلت المنطقة إلى مرحلة بات فيها بعض الناس يبحثون عن أي مشهد يرمم شعورهم بالهزيمة، في ظل عجز عربي عن وقف المأساة الفلسطينية أو فرض كلفة حقيقية على الاحتلال؟ ولماذا أصبح الغضب الشعبي من إسرائيل مادة للمزايدة بين المحاور، بدلاً من أن يكون دافعاً لبناء موقف عربي قادر على حماية فلسطين وصون أمن الدول العربية معاً؟
يا دكتور، ليس كل من ابتهج بتضرر إسرائيل مؤيداً لإيران، وليس كل من انتقد إيران متواطئاً مع إسرائيل، وليس كل من عبّر عن غضبه في الشارع يختصر موقف دولة وشعب. السياسة ليست اختبار ولاء تُوزَّع فيه شهادات العروبة بحسب ردود الفعل، ولا تُقاس محبة الخليج بمقدار الكراهية لإسرائيل، كما لا تُقاس نصرة فلسطين بالتصفيق للصواريخ الإيرانية
الأردن ليس ساحة انطباعات عابرة، والأردنيون ليسوا كتلة صماء تُقرأ مواقفها من لقطة واحدة. نحن نميّز بين فلسطين بوصفها قضية حق وحرية وكرامة، وإيران بوصفها دولة لها حساباتها ومصالحها، وإسرائيل بوصفها قوة احتلال وعدوان، ودول الخليج بوصفها عمقاً عربياً لا نقبل استهدافه ولا المساومة على أمنه.
ومن حقكم أن تنتقدوا موقفاً أو تحلّلوا ظاهرة، لكن ليس من حق أي قراءة أكاديمية أن تقفز من مشهد محدود إلى حكم عام على شعب بأكمله. فالفارق بين الباحث الذي يقرأ المجتمع، والمعلّق الذي يكتفي بما تلتقطه عيناه، هو أن الأول يبحث عن السياق والأسباب والدلالات، أما الثاني فقد يخلط بين ردّة فعل شعبية عابرة وموقف دولة راسخ
نحن مع فلسطين، ومع أمن الخليج، وضد استهداف الدول العربية، ولسنا مضطرين إلى الاختيار بين عروبتنا ووعينا السياسي
ومن أراد أن يفهم الأردن، فليقرأ مواقفه كاملة، لا أن ينتقي منها ما يخدم انطباعه، ثم يقدّمه للرأي العام على أنه خلاصة موقف الأردنيين
ماجد الفاعوري
