
هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط عبر الحروب والطاقة والممرات البحرية بينما ينشغل العرب بصراعاتهم الداخلية؟
بقلم الكاتب الأردني: ماجد الفاعوري
ما نشهده في المنطقة اليوم لا يمكن اختزاله في صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، كما لا يجوز التعامل معه باعتباره سلسلة أحداث منفصلة لا رابط بينها. فالحروب، مهما اختلفت دوافع أطرافها، لا تنتهي عند توقف إطلاق النار، بل تترك وراءها خرائط جديدة للنفوذ، وتحولات في الاقتصاد، وتغيرات في طرق التجارة والطاقة، وفرصاً تستفيد منها قوى على حساب أخرى
السؤال الذي ينبغي أن يشغل العقل العربي ليس فقط من انتصر في هذه المواجهة ومن خسرها، بل من سيملك قرار الطاقة بعد انتهائها، ومن سيتحكم بالممرات البحرية، ومن سيحدد اتجاه خطوط الأنابيب، ومن سيمول إعادة الإعمار، ومن سيحصد عوائد الاستثمارات الجديدة، ومن سيجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على الآخرين في حماية أمنه وتأمين احتياجاته الأساسية
إن جوهر المسألة يتعلق بمستقبل السيادة العربية. فهل ستكون الدول العربية شريكاً في صياغة النظام الإقليمي المقبل، أم ستتحول إلى ساحات تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، ثم تتحمل الشعوب العربية تكلفة الصراع بينما تُصنع القرارات بعيداً عنها؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى افتراض وجود اتفاق سري واحد يجمع جميع الأطراف، ولا إلى التعامل مع كل حدث باعتباره جزءاً من مؤامرة مكتملة الأركان. فالمصالح المتقاطعة والفراغات السياسية وضعف المؤسسات قد تنتج واقعاً يخدم أطرافاً متعددة حتى من دون وجود تنسيق مباشر بينها. وهذه هي الزاوية التي يجب أن ننطلق منها في قراءة المشهد العربي
أولاً — هرمز ومعركة السيطرة على شرايين الطاقة
لا يمثل مضيق هرمز ممراً مائياً عادياً، بل نقطة اختناق استراتيجية في الاقتصاد العالمي. فتعطل الملاحة فيه لا يهدد صادرات النفط والغاز فحسب، بل يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في الأسواق العالمية ويضع الدول المستوردة للطاقة أمام مخاطر اقتصادية مباشرة
وقد أثبتت أزمة النفط عام 1973 أن الطاقة ليست سلعة تجارية فقط، بل أداة مؤثرة في العلاقات الدولية. يومها استخدمت دول عربية منتجة للنفط الحظر النفطي في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، فواجهت الولايات المتحدة والدول الصناعية أزمة كشفت مدى ارتباط أمنها الاقتصادي باستقرار الإمدادات القادمة من المنطقة
وتتيح الوثائق الأمريكية التاريخية المتعلقة بأزمة النفط الاطلاع على كيفية تعامل إدارة هنري كيسنجر مع الحظر وتداعياته، وعلى حجم القلق الذي أثارته إمكانية استخدام الطاقة أداة للضغط السياسي. ويمكن الرجوع إلى مجموعة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة لعام 1973 لفهم تلك المرحلة "وثائق وزارة الخارجية الأمريكية" (https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v36)
لكن الدرس الأهم أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القرار النهائي بشأنها. فالقدرة على إنتاج النفط تختلف عن القدرة على نقله وتسويقه وتأمين طرق وصوله إلى الأسواق، وهذه الحلقة هي التي تجعل الممرات البحرية وخطوط الأنابيب والموانئ جزءاً من معادلة القوة السياسية والاقتصادية
ومن هنا تبرز أهمية السؤال المتعلق بالبدائل المحتملة لمضيق هرمز. فإذا اتجهت الدول إلى تطوير خطوط أنابيب جديدة أو توسيع الموانئ أو تغيير مسارات التجارة، فإن ذلك قد يكون إجراءً اقتصادياً مشروعاً لتقليل المخاطر، لكنه قد يعيد أيضاً توزيع النفوذ بين الدول والموانئ ومراكز التسويق
ولا توجد حتى الآن أدلة موثوقة كافية تسمح بالجزم بأن خطة محددة تستهدف إنهاء أهمية هرمز خلال عامين، أو أن هناك اتفاقاً نهائياً لنقل خطوط الطاقة عبر غزة وموانئ إسرائيل. لذلك لا يصح نسبة هذه التصورات إلى مسؤولين أمريكيين أو إسرائيليين من دون تسجيل أصلي أو وثيقة يمكن التحقق منها
غير أن السؤال الاستراتيجي يظل مشروعاً: من سيملك البدائل إذا اضطرب هرمز؟ وهل ستشارك الدول العربية في تصميمها وتمويلها وإدارتها وفق مصالحها، أم ستجد نفسها أمام شبكة جديدة من الطرق والموانئ يقرر الآخرون اتجاهاتها؟
إن أمن الطاقة العربي لا يتحقق بمجرد امتلاك النفط والغاز، بل بامتلاك القدرة على حماية الإنتاج والنقل والتسويق وتنويع المسارات وبناء شراكات لا تنتقص من السيادة الوطنية
ثانياً — غزة بين حق الفلسطينيين في أرضهم ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة
في الرابع من فبراير 2025 طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصوراً لتولي الولايات المتحدة السيطرة على غزة وتطويرها وتحويلها إلى ما وصفه بـ«ريفييرا الشرق الأوسط»، بالتزامن مع حديثه عن نقل الفلسطينيين إلى أماكن أخرى. وقد أثار هذا الطرح اعتراضات عربية ودولية واسعة بسبب ما يحمله من مخاطر تتعلق بالتهجير القسري وحقوق الشعب الفلسطيني "وكالة أسوشيتد برس" (https://apnews.com/article/1c8deec4dd46177e08e07d669d595ed3)
هذا التصريح الموثق يكفي لفتح نقاش جاد حول العلاقة بين المشاريع الاقتصادية الكبرى والحقوق السياسية للشعوب، من دون الحاجة إلى إضافة تصريحات غير مثبتة عن أنابيب الطاقة أو الموانئ أو اتفاقات سرية
فغزة ليست أرضاً خالية تنتظر مستثمراً يقرر مستقبلها، وليست مجرد شريط ساحلي يمكن تحويله إلى مشروع اقتصادي بمعزل عن سكانه. إنها أرض فلسطينية يعيش عليها شعب له حقوق وطنية وقانونية، ولا يجوز التعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها فرصة لإعادة توزيع السكان أو انتزاع الأرض من أصحابها
إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الكارثة الإنسانية إلى مدخل لفرض وقائع جديدة، بحيث يصبح الدمار مبرراً لإعادة رسم الجغرافيا، ويصبح غياب المساكن مبرراً للتهجير، وتتحول الاستثمارات إلى أداة لتجاوز الحقوق الوطنية
ومع ذلك يجب التمييز بين ما هو معلن بالفعل وبين ما يحتاج إلى إثبات. فتصريح ترامب بشأن السيطرة على غزة وتطويرها موثق، أما القول إن هناك مشروعاً نهائياً لنقل أنابيب الطاقة عبر ميناء غزة أو أن تهجير سكانها تقرر تحديداً لتنفيذ ذلك المشروع، فلا يجوز تقديمه بوصفه حقيقة ثابتة من دون وثائق مستقلة
إن الموقف العربي المطلوب لا يقوم على رفض الاستثمار أو إعادة الإعمار من حيث المبدأ، بل على ضمان أن يكون الإعمار في خدمة الفلسطينيين وعلى أرضهم، وأن تبقى السيادة وحقوق السكان أساس أي مشروع، وألا تتحول غزة إلى ورقة في إعادة ترتيب طرق التجارة والطاقة على حساب أصحابها
ثالثاً — كونداليزا رايس و«الشرق الأوسط الجديد» بين النص التاريخي والقراءة السياسية
في الثاني والعشرين من يوليو 2006، وخلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس عن «مخاض ولادة شرق أوسط جديد»، في إشارة إلى رفض العودة ببساطة إلى الوضع الذي سبق الحرب "المصدر" (https://www.aljazeera.com/news/2006/7/22/rice-sees-bombs-as-birth-pangs)
لم تكن العبارة مجرد توصيف لغوي عابر، فقد جاءت في لحظة كان فيها الدمار يعيد طرح أسئلة عن موازين القوى وترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل لبنان والمنطقة
لكن الدقة تقتضي القول إن التصريح يثبت أن مفهوم الشرق الأوسط الجديد كان حاضراً في الخطاب السياسي الأمريكي أثناء الحرب، ولا يثبت بمفرده أن جميع الحروب التي شهدتها المنطقة لاحقاً كانت مخططة مسبقاً وفق وثيقة واحدة أو اتفاق سري شامل
وهنا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة مستويات من القراءة السياسية
المستوى الأول هو التصريحات والوثائق الرسمية التي يمكن التحقق منها
والمستوى الثاني هو السياسات التي اتخذتها الدول فعلياً، وما ترتب عليها من نتائج في الأمن والاقتصاد والجغرافيا
أما المستوى الثالث فهو الاستنتاجات المتعلقة بالنيات والخطط غير المعلنة، وهي استنتاجات تحتاج إلى أدلة إضافية ولا يكفي لإثباتها مجرد توافق النتائج مع مصالح دولة معينة
وينطبق الأمر نفسه على هنري كيسنجر وبرنارد لويس والخرائط المتداولة عن تقسيم الشرق الأوسط. فدراسة أفكارهم وسياساتهم أمر مشروع، لكن نسبة خطة رسمية لتقسيم الدول العربية إلى أي منهم تتطلب نصاً أصلياً موثقاً، لا صورة متداولة أو اقتباساً مجهول المصدر
كما أن وصف ماركو روبيو بأنه «هنري كيسنجر الجديد» لا ينبغي نسبته إلى ترامب من دون مصدر مباشر يثبت العبارة وسياقها. وحتى إذا ثبت استخدام هذا الوصف، فإنه لا يكفي وحده لإثبات تبني خطة لتقسيم المنطقة
إن قوة التحليل العربي لا تأتي من كثرة الاتهامات، بل من القدرة على توثيق الوقائع وفهم المصالح ومقارنة التصريحات بالسياسات والنتائج
رابعاً — غزو الكويت وانهيار العراق وتبدل موازين القوة العربية
في الثاني من أغسطس 1990 غزا نظام صدام حسين الكويت، وكان ذلك قراراً كارثياً أضر بالعراق والكويت والمنظومة العربية بأكملها. فقد فتح الباب أمام حرب دولية، ثم عقوبات طويلة، ثم غزو العراق عام 2003، وما تلاه من انهيار مؤسسات الدولة واتساع نفوذ القوى المسلحة وتراجع قدرة العراق على أداء دور إقليمي مستقل
ولا يمكن قراءة هذه المرحلة من دون إدانة الغزو العراقي للكويت بوصفه اعتداءً على دولة عربية مستقلة. كما لا يمكن تجاهل النتائج الاستراتيجية التي ترتبت على انهيار الدولة العراقية وتفكك مؤسساتها الأمنية والعسكرية بعد عام 2003
لقد فقد العراق جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير في التوازن الإقليمي، وبرزت في داخله قوى سياسية ومسلحة ترتبط بدرجات مختلفة بمحاور خارجية، وأصبح البلد ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية والتركية والعربية
وهنا يجب ألا نخلط بين الدفاع عن العراق وتبرير سياسات نظامه السابق. فالعراق القوي الذي يحتاجه العرب ليس عراق الحروب الخارجية أو الهيمنة على جيرانه، بل عراق الدولة المستقلة التي تحتكر السلاح وتملك قرارها وتدير علاقاتها الخارجية وفق مصالح شعبها
إن إضعاف العراق لم يكن حدثاً محصوراً داخل حدوده، لأن الجغرافيا العراقية تمثل حلقة مهمة بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران. وكلما تراجعت قدرة الدولة العراقية على ضبط أراضيها وحماية حدودها، زادت فرص التدخل الخارجي وارتفعت مخاطر انتقال الأزمات إلى دول الجوار
ومن هنا فإن السؤال العربي ليس كيف نعيد إنتاج الماضي، بل كيف نبني عراقاً مستقراً قادراً على أن يكون شريكاً في الأمن الإقليمي بدلاً من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات
خامساً — لماذا الخليج العربي؟ وما دلالة استهداف السعودية؟
في الأول من أكتوبر 2026 نقلت رويترز اتهام التحالف الذي تقوده السعودية للحوثيين باستهداف محطة لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة تزود المسجد النبوي بالطاقة. وقال التحالف إن أحد المحولات خرج من الخدمة، فيما نفى الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم "رويترز" (https://www.reuters.com/business/energy/saudi-led-coalition-says-houthis-attacked-power-station-medina-2026-10-01/)
وفي العاشر من أكتوبر 2026 أفادت رويترز بمقتل اثني عشر شخصاً وإصابة أكثر من ثلاثمئة في هجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وفق المعلومات التي أوردتها السلطات السعودية. وأشارت الوكالة إلى أن الحوثيين لم يعلنوا مسؤوليتهم عن الهجوم حتى وقت نشر التقرير، بينما تعهد التحالف السعودي بالرد "رويترز" (https://www.reuters.com/world/middle-east/loud-blast-heard-riyadh-airport-airlines-cancel-more-flights-2026-10-10/)
هذه الأحداث، وفق ما ورد في التقارير، تضع أمن السعودية أمام اختبار بالغ الخطورة، لكن الدقة تقتضي التمييز بين الوقائع المعلنة والاتهامات التي تحتاج إلى إسناد مستقل. كما ينبغي عدم الخلط بين استهداف منشأة كهربائية تخدم المسجد النبوي وبين استهداف المسجد نفسه
إن السعودية ليست مجرد دولة منتجة للطاقة، بل مركز اقتصادي وديني وسياسي له تأثير واسع في المنطقة. وأي اضطراب يطال مطاراتها أو منشآتها الحيوية أو حركة التجارة فيها يمكن أن ينعكس على الاستثمار والسياحة والنقل الجوي وأسواق الطاقة وعلى مصالح دول عربية أخرى
ولا يجوز النظر إلى استهداف السعودية باعتباره خبراً يخص السعوديين وحدهم. فتعطيل المطارات ورفع تكاليف التأمين واضطراب حركة التجارة لا يتوقف أثره عند الحدود الوطنية، بل ينتقل إلى الاقتصاد الإقليمي ويزيد كلفة الحياة على المواطنين
أما لتشفي بالأذى الذي يصيب دولة عربية بسبب خلاف سياسي معها، فهو دليل على أن منطق المحاور قد تغلب على مفهوم المصالح المشتركة. فالدولة التي تضعف اليوم قد تكون حلقة في سلسلة أزمات تصل غداً إلى دول أخرى، ولا يمكن بناء منظومة أمن عربي إذا أصبح الاعتداء على بعض الدول مناسبة للاحتفال عند خصومها السياسيين
إن حماية السعودية لا تعني منح أي حكومة حصانة من النقد، كما أن انتقاد السياسات السعودية لا يبرر استهداف المدنيين أو المطارات أو المنشآت الحيوية. فالمواقف السياسية قابلة للنقاش، أما أمن المدنيين وحرية الملاحة وحرمة المقدسات فلا ينبغي أن تتحول إلى أوراق للمزايدة
سادساً — هرمز وباب المندب والسويس شبكة واحدة من المصالح
تتصل الممرات البحرية في المنطقة ضمن شبكة استراتيجية تمتد من الخليج العربي إلى خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس. وأي اضطراب في أحد هذه الممرات يمكن أن يؤثر في مسارات الشحن وأسعار التأمين وزمن وصول البضائع وتكاليف الطاقة
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتزامن التوترات في الخليج مع تهديدات الملاحة في البحر الأحمر. فالشركات التجارية لا تنتظر انتهاء الصراع كي تحسب مخاطرها، بل تبحث عن مسارات بديلة منذ اللحظة التي ترتفع فيها احتمالات التعطيل
وقد تستفيد بعض الموانئ وخطوط النقل البديلة من تحول حركة التجارة إليها، لكن استفادة طرف من الأزمة لا تثبت أنه صنعها أو خطط لها. فهذه نقطة أساسية يجب ألا يغفلها التحليل السياسي
المطلوب هو دراسة المستفيدين من التحولات الاقتصادية، وتحديد حجم المكاسب والخسائر، وفحص المشروعات التي يجري تنفيذها فعلياً، بدلاً من الانتقال مباشرة من وجود مصلحة اقتصادية إلى اتهام جهة بعينها بتدبير الحرب
والسؤال العربي الأهم هو ما إذا كانت دول المنطقة قادرة على تنسيق سياساتها البحرية واللوجستية، وحماية الموانئ وطرق التجارة، وتطوير بدائل تقلل من الاعتماد على الممرات المعرضة للخطر
فإذا لم تمتلك الدول العربية خطة مشتركة لأمن النقل والطاقة، فإن كل أزمة ستتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب المصالح على حساب الدول الأقل استعداداً والأكثر اعتماداً على التجارة الخارجية
سابعاً — إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وتضارب المصالح
لا يصح افتراض أن إيران وإسرائيل والولايات المتحدة تشكل كتلة واحدة متفقة على جميع أهدافها. فلكل طرف حساباته وأولوياته، وقد تتصادم هذه المصالح في ساحات معينة، بينما تتقاطع نتائج سياساته في ساحات أخرى
تسعى إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر علاقاتها السياسية وشبكات القوى المسلحة المتحالفة معها. وتسعى إسرائيل إلى تعزيز تفوقها الأمني والعسكري وتقليص قدرات خصومها. أما الولايات المتحدة فتعمل على حماية مصالحها الاستراتيجية وأمن حلفائها والحفاظ على نفوذها في المنطقة
وقد يؤدي التصعيد بين هذه الأطراف إلى إضعاف قدرات بعضها، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تدمير بنى تحتية عربية ورفع كلفة الطاقة وتوسيع الاعتماد على الحماية الخارجية وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي
ولهذا فإن القراءة الأكثر واقعية لا تبدأ بالسؤال عما إذا كانت هناك غرفة عمليات مشتركة تدير كل شيء، بل بالسؤال عن النتائج التي تنتج عن الصراع، ومن يستفيد منها، وما إذا كانت الدول العربية تمتلك الأدوات اللازمة لمنع تحولها إلى ضحية دائمة لهذه النتائج
إن المطلوب ليس استبدال تبعية بأخرى، ولا الانحياز إلى إيران لمجرد معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تأييد كل سياسة غربية لمجرد رفض النفوذ الإيراني. المطلوب هو بناء قرار عربي مستقل يقيس العلاقات الخارجية بمدى خدمتها للأمن الوطني والمصلحة الاقتصادية والسيادة السياسية
ثامناً — السابع من أكتوبر والحرب على غزة
في السابع من أكتوبر 2023 شنت حماس وفصائل فلسطينية أخرى هجوماً واسعاً على إسرائيل، تلاه هجوم إسرائيلي مدمر على قطاع غزة. ووثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة انتهاكات جسيمة ارتُكبت خلال الهجوم، بما فيها استهداف مدنيين واحتجاز رهائن، كما تناولت الانتهاكات المرتكبة خلال العمليات الإسرائيلية في غزة "تقرير لجنة التحقيق الدولية" (https://www.un.org/unispal/document/coi-report-a-hrc-56-26-27may24/)
إن التخطيط المسبق للهجوم لا يثبت وحده أن الحرب اللاحقة كانت جزءاً من اتفاق سري بين حماس وإسرائيل والولايات المتحدة. فهذه دعوى مختلفة تتطلب أدلة مستقلة، ولا يكفي لإثباتها حجم الدمار أو استفادة أطراف معينة من نتائج الحرب
لكن من المشروع سياسياً أن نسأل كيف استُخدمت نتائج السابع من أكتوبر في إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، وكيف انعكست الحرب على مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى أمن الدول المجاورة، وعلى التوازنات في البحر الأحمر والخليج
لقد دفع الفلسطينيون في غزة ثمناً إنسانياً هائلاً، ولا يجوز أن يتحولوا إلى وقود لصراعات المحاور. كما لا يجوز استخدام معاناة المدنيين الإسرائيليين لتبرير العقاب الجماعي أو التهجير أو تدمير مقومات الحياة الفلسطينية
أما التصريحات المنسوبة إلى صالح نوفل بشأن أن تحرير فلسطين يتطلب احتلال مكة والمدينة، أو أي تصريحات تنسب إلى فصائل فلسطينية أخرى، فيجب تثبيت نصها الأصلي وتاريخها وسياقها قبل استخدامها دليلاً سياسياً. ولا يجوز تحويل اقتباس غير موثق إلى أساس لاتهام جماعة كاملة أو تعميمه على الشعب الفلسطيني
إن القضية الفلسطينية قضية حق وحرية وتقرير مصير، لكنها ليست تفويضاً لأي فصيل كي يقرر مصير المنطقة أو يهدد مقدسات المسلمين أو يفرض على الدول العربية خيارات لم تشارك في اتخاذها
ولا يمكن الدفاع عن فلسطين من خلال خطاب يبرر الاعتداء على الشعوب العربية، كما لا يمكن حماية الأمن العربي من خلال تجاهل حقوق الفلسطينيين. فالمطلوب موقف يرفض الاحتلال والتهجير واستهداف المدنيين، ويرفض في الوقت نفسه تحويل المنطقة إلى ساحة حروب مفتوحة بالوكالة
تاسعاً — العراق أمام اختبار الدولة والولاءات
هل يستطيع العراقيون اليوم أن يلتقوا حول مصلحة العراق، بعيداً عن الولاءات الخارجية والانقسامات الطائفية والجهوية؟ وهل تستطيع القوى السياسية أن تتفق على أن أمن البلاد وسيادتها يجب أن يتقدما على مصالح الفصائل والمحاور؟
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً للحروب والعقوبات والغزو والانقسام. ولا يجوز أن يتحول بعد كل هذه التجارب إلى منصة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، أو إلى ساحة تنطلق منها هجمات تهدد دول الجوار وتجر المنطقة إلى مواجهات جديدة
لكن المسؤولية لا تقع على العراقيين جميعاً، ولا يجوز اختزال مجتمع كامل في مواقف فصائل أو أحزاب مسلحة. فالعراق يضم شعباً يريد الأمن والخدمات والعمل والاستقرار، ويحتاج إلى دولة قادرة على احتكار السلاح وفرض القانون وحماية الحدود
إن الاصطفاف الوطني المطلوب ليس اصطفافاً ضد طائفة أو مكون اجتماعي، بل اصطفاف حول مؤسسات الدولة وقرارها المستقل ورفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الدول العربية
كما أن دعم العراق لا يعني التدخل في شؤونه أو فرض خيارات سياسية عليه، بل مساندته في بناء مؤسسات قوية تحمي سيادته وتمنع تحويله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية
فالعراق المستقر والقوي مصلحة عربية، أما العراق الذي تتعدد فيه مراكز القوة ويتوزع قراره بين المحاور، فهو خسارة للعراقيين وللمنطقة بأكملها
عاشراً — جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع المشترك
في السابع عشر من يونيو 1950 وُقعت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية. وتنص المادة الثانية منها على اعتبار العدوان المسلح على دولة متعاقدة أو قواتها المسلحة موجهاً إلى الدول المتعاقدة جميعاً، وعلى التزامها بمساعدة الدولة المعتدى عليها واتخاذ التدابير المتاحة لرد العدوان وفق أحكام المعاهدة "النص الكامل للمعاهدة" (https://avalon.law.yale.edu/20th_century/arabjoin.asp)
ومن المهم هنا تصحيح الخلط الشائع بين المادة السابعة من المعاهدة والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فالمادة الثانية من معاهدة الدفاع المشترك هي النص الأساسي المتعلق بالعدوان والمساعدة الجماعية، بينما الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يتناول الإجراءات التي يمكن لمجلس الأمن اتخاذها في مواجهة تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان
المشكلة العربية ليست غياب النصوص بالكامل، بل ضعف القدرة على تحويل الالتزامات السياسية والقانونية إلى آليات عملية. فالجامعة العربية لا تزال بحاجة إلى أدوات أكثر فاعلية للتنسيق الأمني والاقتصادي وتبادل المعلومات وإدارة الأزمات
لماذا لا تراجع الدول العربية منظومة الدفاع المشترك لتطوير آليات واضحة للتشاور السريع وحماية الأجواء والممرات البحرية والمنشآت الحيوية؟ ولماذا لا يُبنى نظام عربي للإنذار المبكر والتعاون في أمن الطاقة والغذاء والنقل؟
إن الدفاع المشترك لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لشن الحروب، بل إلى منظومة تحمي السيادة وتردع العدوان وتمنع استهداف المدنيين وتضمن احترام القانون الدولي
كما أن التعاون العربي لا يمكن أن ينجح من دون احترام استقلال الدول ورفض استخدام الميليشيات لفرض السياسات الخارجية، لأن الأمن الجماعي لا يقوم على تعدد مراكز السلاح والقرار، بل على مؤسسات شرعية قادرة على تنفيذ التزاماتها
الحادي عشر — من هرمز إلى مائدة المواطن العربي
قد يبدو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز حدثاً بعيداً عن المواطن في عمّان أو بغداد أو نواكشوط، لكن أثره يمكن أن يصل إلى أسعار الوقود والغذاء والأسمدة والنقل والصناعة
فعندما ترتفع تكاليف الشحن والتأمين أو تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، ترتفع تكلفة وصول بعض السلع إلى الأسواق. وقد تنتقل هذه الزيادة إلى المستهلك بحسب طبيعة السلعة وسياسات التسعير والمنافسة والضرائب وسعر الصرف
لكن من الخطأ تحميل مضيق هرمز وحده مسؤولية كل ارتفاع في الأسعار. فالتكلفة النهائية تتأثر أيضاً بالسياسات المحلية وهوامش الربح والرسوم والمضاربة ومشكلات الإنتاج وسلاسل التوريد
وهنا تبرز أهمية بناء أمن اقتصادي عربي يقوم على تنويع مصادر الاستيراد وتطوير الإنتاج المحلي وتوفير المخزونات الاستراتيجية وتحسين كفاءة الموانئ وشبكات النقل
فالدولة التي تعتمد على مصدر واحد للغذاء أو الطاقة تكون أكثر تعرضاً للصدمات، بينما تمنحها البدائل والمخزونات والقدرة الإنتاجية هامشاً أكبر لحماية مواطنيها
إن أمن الطاقة والغذاء ليس ملفاً فنياً منفصلاً عن السيادة السياسية، بل هو أحد شروطها. ولا يكفي أن تتحدث الحكومات عن حماية المستهلك إذا ظلت الاقتصادات الوطنية عاجزة عن مواجهة الاضطرابات الخارجية
الثاني عشر — سرطان المزاج الفصائلي وانهيار المصير المشترك
من أخطر ما أصاب المجال العربي أن يتحول الانتماء إلى فصيل أو محور إلى معيار للحكم على الدماء والضحايا. فإذا تعرضت دولة عربية للأذى برر البعض الاعتداء عليها بسبب خلافه مع حكومتها، وإذا تعرض شعب للتهجير بحث آخرون عن مبررات لتجاهل معاناته
هذا ليس اختلافاً سياسياً طبيعياً، بل انهيار في الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية
لا يجوز أن تكون دماء السعوديين أقل قيمة لأنهم سعوديون، ولا دماء العراقيين أقل قيمة بسبب مواقف حكومتهم، ولا دماء الفلسطينيين مادة للمزايدة، ولا دماء اليمنيين تفصيلاً هامشياً في صراع إقليمي
كما لا يجوز اختزال أي شعب في نظامه أو حزبه أو الفصيل الذي يرفع اسمه. فالشعوب ليست كتلاً سياسية متطابقة، ولا ينبغي أن تتحول إلى أهداف جماعية بسبب مواقف أطراف تدعي تمثيلها
كيف يمكن بناء أمن عربي مشترك بينما يفرح بعض العرب بإصابة بعضهم بعضاً؟ وكيف يمكن حماية مكة والمدينة وبغداد وعمّان والقاهرة ونواكشوط بينما ينظر البعض إلى أمن الآخر باعتباره خسارة لمحوره السياسي؟
إن أخطر نتائج الاستقطاب الطائفي والجهوي أنه يجعل الفصيل أهم من الدولة، والمحور أهم من الوطن، والانتصار الإعلامي أهم من سلامة المدنيين
ولا يمكن بناء مشروع عربي قابل للحياة ما لم نتفق على أن اختلاف الحكومات لا يلغي وحدة المصالح الأساسية، وأن نقد دولة لا يمنح أحداً حق الاعتداء عليها، وأن حماية المدنيين ليست امتيازاً سياسياً يمنح لطرف ويحجب عن آخر
الثالث عشر — من موريتانيا إلى الخليج أمن عربي مترابط
يجب أن يدرك الشباب العربي أن أمن المنطقة لا يبدأ عند حدود الخليج ولا ينتهي عند حدود المشرق. فاضطراب التجارة في البحر الأحمر يؤثر في دول بعيدة عن سواحله، وتراجع الاستقرار في العراق ينعكس على جواره، وأي أزمة اقتصادية أو أمنية واسعة في دولة عربية قد تنتقل آثارها إلى بقية الدول عبر التجارة والطاقة والهجرة والاستثمار
وهذا لا يعني أن جميع الدول تتأثر بالدرجة نفسها أو أن كل أزمة تنتقل آلياً إلى بقية البلدان، بل يعني أن المصالح العربية مترابطة وأن التعامل معها بمنطق التجزئة يترك الدول أكثر عرضة للصدمات
لقد آن الأوان للخروج من عقلية أن أمن الخليج شأن خليجي فقط، وأن العراق شأن عراقي فقط، وأن فلسطين شأن فلسطيني فقط، وأن المغرب العربي بعيد عن المشرق
فالمصالح تختلف في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند حماية السيادة والاستقرار ومنع العدوان وصيانة الموارد وضمان حرية التجارة
ولا يتحقق الأمن العربي بإجبار الدول على تبني سياسة واحدة في كل الملفات، بل ببناء شبكة تعاون تجعل الخلافات أقل كلفة وتجعل الاعتداء على أي دولة عملاً يواجه بموقف سياسي وقانوني واقتصادي منسق
الرابع عشر — ماذا يجب أن يفعل العرب؟
أولاً يجب مراجعة منظومة الدفاع المشترك وتطوير آلياتها التنفيذية بما يضمن سرعة التشاور وتبادل المعلومات والتنسيق في حماية الأجواء والممرات البحرية والمنشآت الحيوية
ثانياً ينبغي بناء إطار عربي لأمن الطاقة ينسق المخزونات الاستراتيجية وخطوط الإمداد البديلة والموانئ وشبكات النقل، حتى لا تتحول الأزمات إلى فرصة لفرض ترتيبات خارجية على الدول العربية
ثالثاً يجب وضع سياسة مشتركة لحماية الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، تقوم على القانون الدولي وحرية الملاحة ورفض استهداف المدنيين والسفن التجارية
رابعاً ينبغي دعم الدولة العراقية ومؤسساتها الشرعية ورفض الاعتداءات التي تنطلق من أراضيها على دول الجوار، مع احترام سيادتها ورفض التدخل الخارجي في قرارها الوطني
خامساً يجب رفض تهجير الفلسطينيين من غزة، ووضع خطة عربية قابلة للتنفيذ لإعادة الإعمار تحفظ حقوق السكان وسيادتهم على أرضهم، وتمنع تحويل الكارثة الإنسانية إلى فرصة لانتزاع الأرض من أصحابها
سادساً يجب إنشاء آلية عربية لمراقبة أسعار السلع الأساسية وتكاليف الشحن والتأمين وكشف الممارسات الاحتكارية، حتى لا تتحول الأزمات إلى ذريعة لاستنزاف المواطن العربي
سابعاً ينبغي بناء خطاب إعلامي عربي مسؤول يميز بين الوقائع والتحليلات والادعاءات، ويرفض التشفي والتحريض الطائفي، ويحاسب كل من يبرر الاعتداء على المدنيين بصرف النظر عن هويته أو موقعه السياسي
ثامناً يجب أن يتحول الشباب العربي من جمهور يتلقى روايات المحاور إلى جيل يقرأ الوثائق ويفحص الأرقام ويفهم الاقتصاد السياسي ويحاسب الحكومات على النتائج لا على الشعارات
إما أن نكون شركاء في صياغة المستقبل أو موضوعاً لقرارات الآخرين
إن ما يجري في المنطقة يستحق قراءة شاملة لا تختزل الصراع في مواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ولا تقفز في الوقت نفسه إلى استنتاج أن كل حدث جزء من مؤامرة واحدة مكتملة الأركان
المؤكد أن الحروب تعيد توزيع القوة، وأن اضطراب الممرات البحرية يغير حسابات التجارة والطاقة، وأن انهيار الدول يفتح المجال أمام قوى خارجية، وأن الانقسام العربي يضاعف خسائر الجميع
والمؤكد أيضاً أن الخطاب السياسي لا يكفي لإثبات وجود خطط سرية ما لم تدعمه وثائق وأدلة مستقلة
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً لانهيار الدولة، ودفع الفلسطينيون ثمناً إنسانياً هائلاً للاحتلال والحرب والتهجير، ويواجه اليمنيون آثار صراع طويل، فيما تواجه السعودية ودول الخليج مخاطر تمس أمنها واقتصادها وممراتها الحيوية
وليس من الحكمة انتظار أن تصل الأزمة إلى كل عاصمة عربية حتى ندرك أن أمننا مترابط
أما السؤال الذي يجب أن يبقى أمامنا فهو من سيكتب خريطة المنطقة بعد هذه الحروب؟ وهل ستكون الدول العربية شريكاً في تحديد مسارات الطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، أم ستكتفي بمراقبة الخرائط الجديدة وهي تُرسم من دونها؟
إننا لا نحتاج إلى تصديق كل رواية عن مؤامرة حتى ندرك خطورة غياب المشروع العربي. ولا نحتاج إلى اختراع تصريحات حتى نفهم أن القوى الكبرى تحمي مصالحها وتستثمر الفرص التي تتيحها الحروب. ولا نحتاج إلى الاتفاق على كل شيء حتى نرفض أن تكون دولنا وشعوبنا وقوداً لصراعات الآخرين
المطلوب اصطفاف من أجل الدولة والسيادة والإنسان والمقدسات والاقتصاد والقرار المستقل، لا اصطفاف ضد شعب أو دولة لمجرد الاختلاف معها
فإذا مرض العراق تأثر المجال العربي، وإذا اضطرب الخليج امتدت آثار الاضطراب إلى أبعد من حدوده، وإذا دُمرت غزة خسر العرب جميعاً جزءاً من مستقبلهم، وإذا أصبحت الممرات البحرية العربية أوراقاً في يد الآخرين فقدت المنطقة جزءاً من قدرتها على تحديد مصيرها
لا تزكوا دماً على دم، ولا تجعلوا المذهب أعلى من الوطن، ولا الفصيل أعلى من الدولة، ولا المحور أعلى من المصلحة العربية
فالمنطقة التي لا تتفق على حماية مصالحها لن يستطيع أحد أن يضمن لها مكاناً مستقلاً في النظام الدولي، والمنطقة التي لا تملك مشروعاً للطاقة والأمن والاقتصاد ستجد الآخرين يرسمون مشاريعهم فوق أرضها
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعرب ليس أن يتغير العالم من حولهم، بل أن يتغير بينما هم منشغلون بتبرير انقسامهم وعاجزون عن حماية مستقبلهم