الدولار في العراق… هل يدفع العراقيون ثمن المواجهة مع إيران؟

 

قراءة سياسية اقتصادية في تداخل النفوذ المالي والصراع الإقليمي ومستقبل السيادة الاقتصادية العراقية

لا يمكن قراءة ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق باعتباره أزمة نقدية معزولة عن التحولات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة، ولا يكفي تفسيره بالقرارات الحكومية أو اختلالات السوق وحدها لفهم أبعاده الأوسع. فالعراق الذي يمتلك ثروة نفطية هائلة ويعتمد اقتصاده على الإيرادات النفطية يجد نفسه اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد تتداخل فيها قدرة الدولة على تصدير النفط مع اعتمادها على الدولار، وتتقاطع فيها مصالحها الاقتصادية مع الضغوط الأمريكية على إيران

السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط لماذا ارتفع الدولار، بل ما إذا كان العراق يدفع كلفة اقتصادية متزايدة بسبب موقعه بين واشنطن وطهران، وما إذا كانت أدوات الضغط المالي قادرة على تحويل الاقتصاد العراقي إلى ساحة إضافية من ساحات المواجهة الإقليمية

من اضطراب الصادرات إلى تراجع القوة الشرائية

بحسب تقرير لوكالة رويترز نشر في السابع من أكتوبر 2026، خفّض العراق قيمة عملته أمام الدولار، مع اعتماد هيكل جديد لسعر الصرف يصل فيه سعر بيع الدولار للمستهلكين عبر المؤسسات المالية إلى 1520 ديناراً مقابل نحو 1300 دينار وفق السعر السابق

وربط التقرير القرار بالاضطرابات التي أصابت صادرات النفط العراقية نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتعطل طرق الشحن التقليدية عبر الخليج ومضيق هرمز، الأمر الذي دفع العراق إلى البحث عن طرق بديلة لنقل النفط عبر الأراضي السورية بكلفة أعلى وكفاءة أقل

المصدر: رويترز — Iraq devalues dinar to 1,520 per US dollar، 7 أكتوبر 2026

إن الأثر الاقتصادي المباشر لهذا القرار لا يتوقف عند تعديل الأرقام في جداول المصارف والموازنة، بل يمتد إلى كلفة الاستيراد والقوة الشرائية للمواطن. فكلما ارتفع سعر الدولار مقابل الدينار ازدادت كلفة السلع التي يعتمد العراق على استيرادها، وأصبحت الأسر العراقية أكثر عرضة لتحمل آثار التضخم وتراجع قيمة دخولها الحقيقية

وهنا تظهر المفارقة العراقية بوضوح. فالدولة التي تمتلك النفط وتصدره لا تزال شديدة الحساسية لأي اضطراب في طرق التصدير أو تدفقات الإيرادات الدولارية. والثروة الطبيعية وحدها لا تضمن الاستقرار النقدي إذا بقي الاقتصاد معتمداً على مورد واحد وعلى مسارات تصدير محدودة وعلى منظومة مالية تتأثر بالتوترات الدولية

الدولار بوصفه أداة نفوذ سياسي

لا يقتصر ارتباط العراق بالولايات المتحدة على العلاقات الأمنية والسياسية، بل يمتد إلى البنية المالية التي تمر عبرها الإيرادات النفطية والمعاملات المصرفية الدولية. وقد كشفت تقارير صحفية عن استخدام واشنطن القيود المالية والعقوبات المصرفية للحد من تدفقات الدولار إلى جهات تتهمها بالارتباط بإيران أو بتجاوز القيود المفروضة عليها

وفي تحليل نشرته رويترز في الخامس والعشرين من أغسطس 2026، تناولت الوكالة كيف يمكن أن يشكل العراق نموذجاً للضغط الأمريكي على الشركاء التجاريين لإيران من خلال تقييد وصولهم إلى النظام المالي القائم على الدولار. وأشار التقرير إلى إجراءات أمريكية سابقة شملت وقف شحنة نقدية بقيمة 500 مليون دولار إلى العراق وتعليق أجزاء من التعاون الأمني للضغط على بغداد بشأن الفصائل المدعومة من إيران

المصدر: رويترز — Analysis: Iraq may show how U.S. can squeeze Iran’s trade partners، 25 أغسطس 2026

تكشف هذه المعطيات عن حقيقة استراتيجية مهمة وهي أن النفوذ المالي لا يحتاج دائماً إلى مواجهة عسكرية مباشرة حتى يحقق أهدافاً سياسية. فالقدرة على التأثير في تدفقات العملة الأجنبية وفي التحويلات المصرفية وفي قدرة المؤسسات المالية على الوصول إلى الأسواق الدولية تمنح الدولة صاحبة النفوذ أدوات ضغط تتجاوز حدود العقوبات التقليدية

ومن هذا المنطلق يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد تفسير حركة الدولار في السوق العراقية. فإذا كانت الولايات المتحدة تستخدم النظام المالي للحد من قدرة إيران على الوصول إلى الأموال والأسواق، فإن العراق بحكم علاقاته الاقتصادية مع طهران واعتماده على الدولار قد يتحول إلى إحدى الساحات التي تظهر فيها نتائج هذه السياسة

هل أصبحت الساحة العراقية امتداداً للساحة الإيرانية؟

سياسياً واقتصادياً، تتداخل الساحتان العراقية والإيرانية في ملفات التجارة والطاقة والأمن والعلاقات المصرفية. غير أن هذا التداخل لا يعني أن الدولتين تمثلان كياناً اقتصادياً واحداً، ولا يثبت أن كل أزمة مالية عراقية ناتجة عن قرار أمريكي يستهدف إيران

لكن القراءة الاستراتيجية تقتضي النظر إلى الاحتمال الآخر أيضاً. فإذا كان الضغط على إيران يستهدف تقليص مواردها المالية وتقييد علاقاتها التجارية، فإن تشديد الرقابة على التحويلات بالدولار داخل العراق قد ينعكس على الشركات والتجار والمؤسسات التي ترتبط بالسوق الإيرانية، وقد يفرض على بغداد خيارات اقتصادية وسياسية أكثر صعوبة

وهنا يمكن طرح فرضية أن الضغط المالي على العراق قد يؤدي وظيفة مزدوجة، تتمثل في ضبط حركة الأموال داخل النظام المصرفي العراقي من جهة، وتقليص المساحات التي تستطيع إيران الاستفادة منها اقتصادياً من جهة أخرى

غير أن إثبات وجود خطة متعمدة لرفع سعر الدولار على العراقيين يتطلب أدلة مباشرة على العلاقة بين القرار النقدي والأهداف السياسية الأمريكية. أما ما يمكن إثباته من الوقائع المنشورة فهو وجود أدوات ضغط مالية أمريكية على العراق، ووجود اضطرابات فعلية في صادرات النفط، وتزامن هذه العوامل مع تخفيض قيمة الدينار

والتمييز بين هذه المستويات ضروري لفهم الأزمة بعيداً عن التفسيرات التبسيطية التي تنسب كل ما يحدث إلى عامل واحد

العراق النفطي ومفارقة العجز عن إيصال الثروة

تتمثل المشكلة الأعمق في أن العراق لا يعاني من نقص الثروة النفطية بقدر ما يعاني من هشاشة المسار الذي يحول هذه الثروة إلى إيرادات قابلة للاستخدام في تمويل الدولة والاقتصاد

فالنفط الذي يبقى في الحقول لا يمول الرواتب ولا يدعم الموازنة ولا يوفر الدولار اللازم للاستيراد. والإنتاج وحده لا يكفي إذا تعذر التصدير أو ارتفعت تكاليف النقل أو تعطلت طرق الشحن أو تراجعت قدرة الدولة على تحصيل عائداتها في الوقت المناسب

وقد أشار تقرير رويترز في السادس من أكتوبر 2026 إلى أن الاضطرابات التي أصابت طرق تصدير الطاقة في المنطقة دفعت شركات النفط إلى إعادة التفكير في مسارات التصدير البديلة، بما في ذلك مشاريع خطوط أنابيب تربط العراق بسوريا وتوسيع البنية التحتية التي تتيح تجاوز الاختناقات البحرية

المصدر: رويترز — From just-in-time to just-in-case: oil executives say world needs more export routes، 6 أكتوبر 2026

إن هذه التطورات تعيد طرح سؤال السيادة الاقتصادية العراقية. فهل يكفي أن يمتلك العراق احتياطيات نفطية ضخمة إذا كانت قدرته على تحويلها إلى إيرادات مستقرة معرضة للتعطل بفعل الصراعات الإقليمية؟ وهل يمكن لدولة أن تحافظ على استقلال قرارها الاقتصادي بينما تعتمد ميزانيتها بصورة أساسية على سلعة واحدة تمر صادراتها عبر ممرات استراتيجية شديدة الحساسية؟

إن تنويع طرق تصدير النفط ليس مجرد مشروع للبنية التحتية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية لتقليل تعرض الدولة للضغوط الخارجية. كما أن تنويع مصادر الدخل وتطوير الإنتاج المحلي وتقوية القطاع الخاص تمثل عناصر أساسية في تقليل انتقال الصدمات الخارجية إلى حياة المواطنين

من يتحمل كلفة المواجهة؟

في كل أزمة مالية ترتبط بالصراعات الدولية توجد فجوة بين الأطراف التي تمتلك أدوات الضغط والأطراف التي تتحمل النتائج اليومية. ففي العراق قد تتخذ القرارات على مستوى السياسة النقدية والموازنة والعلاقات الدولية، لكن آثارها تظهر في أسعار السلع وفي كلفة الغذاء والدواء وفي قدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها

وتشير القراءة الاقتصادية إلى أن تخفيض قيمة الدينار يمنح الحكومة عدداً أكبر من الدنانير مقابل كل دولار من الإيرادات النفطية، وهو ما قد يساعدها في تمويل نفقاتها المحلية. لكنه لا يولد إيرادات دولارية جديدة، ولا يعوض بالضرورة انخفاض حجم الصادرات، كما أنه يزيد كلفة الواردات ويضغط على القوة الشرائية للمواطنين

المصدر: رويترز — تقرير تخفيض قيمة الدينار العراقي، 7 أكتوبر 2026

وهنا لا ينبغي إعفاء الحكومة العراقية من مسؤوليتها بحجة أن الأزمة ذات أبعاد خارجية. فإدارة المخاطر المالية وتنويع منافذ تصدير النفط وحماية الاحتياطيات وتعزيز الرقابة المصرفية ووضع سياسات تحد من آثار التضخم كلها مسؤوليات وطنية لا يمكن استبدالها بمجرد تفسير الأزمة أو تحميل أطراف خارجية مسؤوليتها

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن اعتماد العراق الكبير على الدولار وعلى عائدات النفط يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتأثر بالقرارات الدولية وبالصراعات التي لا يملك السيطرة على مساراتها

السؤال الاستراتيجي الذي لا يجوز تجاهله

إن ارتفاع الدولار في العراق يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود السياسة النقدية إلى مستقبل الدولة العراقية وموقعها في التوازنات الإقليمية. فإذا تزامن اضطراب الصادرات النفطية مع القيود المالية الأمريكية على التعاملات المرتبطة بإيران، فإن بغداد تجد نفسها أمام اختبار مزدوج يتمثل في حماية اقتصادها من آثار الحرب، والمحافظة على علاقاتها الدولية من دون تحويل المجتمع العراقي إلى الطرف الذي يدفع ثمن التنافس بين القوى الإقليمية والدولية

ولا يعني ذلك أن كل إجراء نقدي يمثل مؤامرة سياسية، أو أن واشنطن تتحكم بصورة مطلقة في كل حركة داخل السوق العراقية. لكنه يعني أن أدوات النفوذ المالي أصبحت جزءاً من معادلة الأمن والسياسة، وأن تجاهل هذا البعد لن يقدم تفسيراً كافياً لما يتعرض له الاقتصاد العراقي من ضغوط

إن القضية ليست في ارتفاع الدولار وحده، بل في قدرة العراق على حماية اقتصاده من أن يصبح رهينة لتقلبات النفط والطرق البحرية والقيود المصرفية والتجاذبات الإقليمية

فالدولة التي تمتلك النفط ولا تستطيع ضمان استقرار الطريق الذي يصل به إلى الأسواق، وتملك الإيرادات لكنها لا تستطيع عزل قوتها الشرائية عن الصراعات الخارجية، تبقى أمام تحدٍ يتجاوز سعر الصرف إلى جوهر السيادة الاقتصادية

ويبقى السؤال الأهم أمام الحكومة العراقية: ما خطتها لحماية المواطن وتنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مورد واحد، وما الضمانات التي تحول دون انتقال الضغوط الدولية إلى أزمة معيشية يتحملها العراقيون وحدهم؟

فشرح أسباب الأزمة لا يكفي، والحديث عن الثروة النفطية لا يعوض خسائر تعطلها، والسيادة الاقتصادية لا تُقاس بما تمتلكه الدولة تحت الأرض فقط، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى استقرار ورفاه وحماية لمصالح شعبها

جميع الحقوق محفوظة ماجد الفاعوري © 2026.