التهجير «مسألة خطيرة»... لكن أين السيناريو الأردني؟

طباعة

 

قال وزير الداخلية مازن الفراية إن الأردن مستعد لأي سيناريو تفرضه تطورات الضفة الغربية وإن التهجير «مسألة خطيرة» وهذه العبارة بحد ذاتها تستحق أن نتوقف عندها طويلاً لا لأننا نختلف مع الوزير بل لأن الأردنيين منذ سنوات يصرخون في كل المحافل بأن الخطر لا يبدأ عندما يصل الماء إلى الذقن وإنما عندما نكتشف أن الماء كان يرتفع أمام أعيننا ونحن نكتفي بقياس منسوبه ثم نعلن أن الوضع تحت السيطرة. وقد أكد الفراية في حديثه الأخير أن الأردن يتابع ما يجري في الضفة يومياً وأن المملكة مستعدة لأي سيناريو يفرضه الواقع على الأرض (الجزيرة نت)

حسناً يا دولة ما دام التهجير مسألة خطيرة فما هو السيناريو الأردني لهذه المسألة الخطيرة؟ هل يوجد سيناريو مكتوب على طاولة القرار أم أن السيناريو الوحيد هو أن ننتظر حتى تبدأ الجموع بالوصول ثم نجتمع لنقرر ماذا نفعل؟ السؤال هنا ليس ترفاً سياسياً ولا محاولة لإثارة الهواجس ولا موقفاً عدائياً من الأشقاء الفلسطينيين فهؤلاء أهل وقضية ودم وتاريخ لكن المسألة تصبح أخطر حين يتحول الأردن من دولة ترفض التهجير إلى دولة تُفاجأ بالتهجير على حدودها ثم تجد نفسها مضطرة للتعامل مع نتائجه بعد وقوعه

الأردنيون لا يريدون من دولتهم أن تستضيف مؤتمراً صحفياً آخر يؤكد رفض الوطن البديل ثم ينتهي الأمر إلى الملفات ذاتها والعبارات ذاتها وإنما يريدون أن يعرفوا ماذا يعني عملياً أن الأردن مستعد لأي سيناريو. هل هناك تقدير معلن لحجم موجة النزوح المحتملة؟ هل هناك خطط للتعامل مع الحدود والمعابر؟ هل هناك موقف قانوني واضح من دخول من يُدفعون قسراً إلى خارج أرضهم؟ أين تقف وزارة الخارجية وأين تقف وزارة الداخلية وأين تقف المؤسسات الأمنية والاقتصادية وأين هو التنسيق السياسي الذي يحول دون أن يصبح القرار رد فعل على الحدث بدلاً من أن يكون فعلاً سابقاً له؟

وهنا نصل إلى السؤال الذي يبدو ساخراً لكنه في الحقيقة بالغ الجدية. ماذا أعددنا لاستقبال أصحاب الملايين من الخارجين إن وقع التهجير لا قدر الله؟ هل سنكتشف عندها أن للتهجير نظام كبار الشخصيات وأن من يصل بطائرة خاصة ستكون له معاملة مختلفة عن الذي يصل بحقائب مهترئة؟ وهل ستتحول الكارثة الإنسانية إلى فرصة استثمارية لبعضهم بينما يُطلب من الدولة الأردنية أن تتحمل وحدها كلفة أمنية واقتصادية واجتماعية لا يعرف أحد سقفها؟ أم أن القانون سيكون واحداً والقرار واحداً والمعيار واحداً بصرف النظر عن رصيد الحساب البنكي وهو ما يجب أن يكون أصلاً لأن الإنسان لا يصبح أكثر حقاً في الحياة كلما زاد عدد أصفار حسابه

لكن المسألة الأعمق ليست ماذا سنفعل مع القادم وإنما ماذا سنفعل كي لا يتحول القادم إلى مشروع إقامة دائم على حساب القضية الفلسطينية والأردن معاً. الأردن أعلن رسمياً رفض مبدأ التهجير ودعم صمود الفلسطينيين على أرضهم ورفض أي محاولة لنقلهم خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة (وكالة الانباء الاردنية) وهذا هو الموقف الذي يجب أن يبقى واضحاً لا لبس فيه لأن رفض التهجير لا يعني إغلاق الباب في وجه إنسان مهدد بالموت بل يعني رفض تحويل الضرورة الإنسانية إلى حل سياسي دائم ورفض تحويل الأردن إلى البديل الجغرافي عن الدولة الفلسطينية

وهنا لا بد من العودة إلى القانون الدولي لا باعتباره زينة أكاديمية للمقال وإنما لأنه يحدد طبيعة الجريمة التي ينبغي منعها قبل أن نناقش كيفية التعامل مع آثارها. المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري أو الترحيل الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى دولة الاحتلال أو إلى أي دولة أخرى سواء كانت محتلة أم لا كما أن الإجلاء المسموح به في ظروف استثنائية يجب أن يكون مؤقتاً وأن يعاد الأشخاص إلى أماكنهم عندما تنتهي الأعمال العدائية التي فرضت الإخلاء (ICRC IHL Databases) ومحكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 أن دفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل بحيث لا يبقى أمامهم خيار حقيقي يمكن أن يدخل في نطاق النقل القسري المحظور وأن الاقتلاع الدائم أو غير المحدد المدة لا يمكن اعتباره إجلاءً مشروعاً (المحكمة الدولية للعدل)

بل إن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يتعامل مع الترحيل أو النقل القسري باعتباره مجرد نتيجة مؤسفة للحرب وإنما يدرجه ضمن الجرائم ضد الإنسانية في المادة 7 ويجرّم النقل غير المشروع للسكان في إطار جرائم الحرب وفق المادة 8 (المحكمة الجنائية الدولية) ومعنى ذلك أن السؤال الأردني الصحيح لا ينبغي أن يبدأ من جملة كم شخصاً سنستقبل وإنما من سؤال أكبر بكثير وهو كيف نمنع أصلاً إنتاج المشهد الذي يجعل المجتمع الدولي يناقش أين سيذهب الفلسطينيون بعدما طردوا من أرضهم

ثم هناك داخل الأردن سؤال قانوني ووطني لا يجوز أن يبقى معلقاً في الهواء. ماذا سيكون مصير الأردني الذي يحمل الجنسية الأردنية ويقيم في الضفة الغربية إذا اضطرته التطورات إلى العودة؟ وهل نحن أمام قواعد واضحة ومسبقة للتعامل مع هذه الحالات أم سنعود إلى دوامة الأوراق والتفسيرات والاجتهادات؟ وزارة الداخلية نفسها تذكر ضمن مهام الدائرة المختصة متابعة تطبيق قرار فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية ومتابعة طلبات الإقامة لأبناء الضفة والمحافظة على المواطنة الفلسطينية وتسجيل حركة القادمين والمغادرين عبر الجسور ولذلك فإن السؤال هنا ليس عنصرية ولا محاولة لصناعة انقسام بين الأردنيين والفلسطينيين بل هو سؤال دولة عن الجنسية والوثائق والإقامة والسيادة وكيف تتعامل المؤسسات مع حالة طارئة قد تختلط فيها الأبعاد الإنسانية بالحقوق القانونية وبالأمن الوطني

ومن المفارقات أن الأردن لا يفتقر إلى الخبرة في التعامل مع موجات اللجوء فوزير الداخلية نفسه قال إن المملكة تعاملت عبر تاريخها مع موجات لجوء متعددة وكان عنوانها الرئيس البعد الإنساني (الجزيرة نت) لكن الأردن في المقابل ليس دولة بلا اقتصاد ولا بلا موارد ولا بلا حدود ولا بلا مجتمع. نحن دولة صغيرة تتحرك داخل إقليم مضطرب واقتصاد يواجه ضغوطاً وبطالة تعترف الحكومة بأنها من أكبر التحديات ذات الأبعاد الأمنية والاجتماعية وفق حديث وزير الداخلية نفسه (الجزيرة نت) فكيف يمكن أن نتعامل مع احتمال موجة جديدة وكأنها مجرد ملف إغاثي عابر بينما قد تكون في حقيقتها نتيجة لإعادة تشكيل سكاني وسياسي للمنطقة

والأخطر من ذلك أن أي مشروع تهجير منظم قد لا يأتي دائماً تحت عنوان «التهجير». قد يأتي تحت عناوين أكثر نعومة مثل الأمن أو الاستثمار أو إعادة الإعمار أو الهجرة الطوعية أو الممرات الإنسانية أو الترتيبات المؤقتة ثم نكتشف بعد سنوات أن المؤقت أصبح دائماً وأن الخارج من فلسطين لم يعد إليها. وهنا يصبح الكلام عن بعض التيارات السياسية أو الليبرالية الجديدة أو أي اصطفاف إقليمي محتمل مع مشاريع تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها ليس اتهاماً جزافياً بقدر ما هو سؤال يجب أن يوجه إلى كل من يملك قراراً أو تأثيراً هل يقبل بأن يتحول حل المأساة إلى حل على حساب الأردن وفلسطين معاً

لقد حذرت شخصيات أردنية من داخل الدولة ومن خارجها على مدى عقود من خطورة تحويل الفلسطينيين إلى جالية منفصلة عن أرضهم ومن خطورة أن يصبح فك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة أداة لتكريس واقع يخدم مشروعاً آخر وعلى سبيل المثال تحدث عدنان أبو عودة في أكثر من مناسبة عن خطورة أن ينتهي الأمر بالسكان الفلسطينيين إلى العيش تحت مظلة دولة أخرى في صيغة شبيهة بالجالية محذراً من الكمائن السياسية المرتبطة بهذه الفكرة (القدس العربي) كما أن كتاب الدكتور علي محافظة «الديمقراطية المقيدة» يتناول فك الارتباط باعتباره محطة مركزية في تطور العلاقة الأردنية الفلسطينية ويضعه في سياقه السياسي والتاريخي (الجزيرة نت) وهذه ليست ملفات من الماضي كي نضعها في المتحف ثم نغلق الباب عليها لأن التاريخ في هذه المنطقة لديه عادة سيئة وهي أنه يعود بأسماء جديدة وملامح أكثر أناقة

نحن نريد الدولة أن تكون أقوى من المفاجأة وأسرع من الأزمة وأكثر صراحة من الشائعات نريد موقفاً فاعلاً يقول للأردنيين ماذا ستفعل المملكة إذا فُرض على الضفة الغربية سيناريو نزوح جماعي وماذا ستفعل دبلوماسياً وماذا ستفعل على الحدود وماذا ستفعل قانونياً وماذا ستفعل اقتصادياً وكيف ستفصل بين واجبها الإنساني وبين أي محاولة لتحويل الإغاثة إلى توطين وبين استقبال إنسان في محنة وبين قبول مشروع سياسي يريد أن يقتلع شعباً من أرضه ثم يطلب من الأردن أن يفتح له الباب ويغلق وراءه الباب الفلسطيني

ولا أظن أن الأردنيين يطلبون أكثر من ذلك. نحن نقف خلف العرش الهاشمي ونؤمن بأن أمن المملكة واستقرارها ووحدة قرارها خطوط لا يجوز الاقتراب منها لكن الولاء للدولة لا يعني الصمت عن الأسئلة التي تحمي الدولة بل يعني أن نسأل في الوقت المناسب قبل أن يصل الماء إلى الذقن وقبل أن تبتل ذقوننا جميعاً ثم نكتشف أننا كنا نحسن وصف الخطر ولم نحسن إعداد السيناريو

التهجير بالفعل مسألة خطيرة يا معالي الوزير وهذا ما لا يختلف عليه اثنان لكن الأخطر من التهجير أن نعرف أنه خطير ثم نكتفي بوصفه كذلك. المطلوب اليوم ليس بياناً جديداً يقول إن الأردن يرفض الوطن البديل فهذا معروف ومعلن وإنما خطة دولة تقول كيف سنمنع الوصول إليه وكيف سنواجهه إن فُرض وكيف نحمي فلسطين وكيف نحمي الأردن وكيف يبقى باب النجاة الإنسانية مفتوحاً أمام الإنسان فيما يبقى باب التوطين مغلقاً أمام المشروع السياسي. فهذه ليست مسألة فلسطينية فقط ولا أردنية فقط بل معركة على معنى الدولة والحدود والهوية والقانون وعلى حق شعب كامل في أن يبقى على أرضه

والأردن الذي وقف تاريخياً إلى جانب فلسطين لا يحتاج إلى أن يُطلب منه الاختيار بين عروبته وأمنه الوطني لكنه يحتاج اليوم إلى أن يسمع من مؤسساته جواباً واضحاً عن سؤال واحد بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه:

ماذا أعددتم لليوم الذي لا نريد أن يأتي؟

Tags: #الأردن #السياسة_الأردنية #مجلس_النواب #الحكومة_الأردنية #الإصلاح_السياسي #الانتخابات #الأحزاب_الأردنية #الهوية_الوطنية #الشأن_العام #القرار_السياسي #تحليل_سياسي #الرأي_العام #الفساد #الحوكمة #الإدارة_العامة, #عاجل #الأردن_الآن #أخبار_الأردن #خبر_عاجل #متداول #ترند_الأردن #أحداث_الأردن #غزة #فلسطين #الشرق_الأوسط, #الأردن #الوصاية_الهاشمية #إيران #لبنان #القانون_الدولي #الشرق_الأوسط #الأمن_العام #الجريمة_الإلكترونية #مجلس_الوزراء #الاقتصاد_الوطني, التهجير, #الأردن #الأردن_أولا #عاش_الأردن #الأردن_قوي #الأردن_خط_أحمر #أمن_الأردن #سيادة_الأردن #كلنا_الأردن #أردني_وأفتخر #الوطن_أولا, الوطن البديل