عبدالله الثاني في باريس: خفض التصعيد وبناء شبكة أمن أردنية في زمن إعادة تشكيل الإقليم
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 656

لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى باريس في السابع عشر من أيلول 2026 زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتقاطع فيها أزمات لبنان وغزة وسوريا والتوترات الإقليمية الأوسع مع مخاطر تمس أمن الدول واستقرارها مباشرة. ومن هذا المنطلق بدت باريس محطة سياسية وأمنية متقدمة في تحرك أردني يقوم على مسارين متوازيين لا يتعارضان، أولهما العمل على خفض التصعيد ومنع اتساع دوائر الصراع، وثانيهما تعزيز قدرة الأردن على حماية أمنه الوطني من خلال توسيع شراكاته الدفاعية والأمنية مع دول فاعلة وقادرة على التأثير في معادلات المنطقة.
أبرز ما حملته الزيارة كان توقيع الأردن وفرنسا اتفاقية للتعاون في مجال الدفاع بحضور جلالة الملك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وبحسب البيان الفرنسي الأردني المشترك فإن الاتفاقية توفر إطارا شاملا لتنظيم مختلف أوجه التعاون الدفاعي والأمني، وتدعم جهود تعزيز القدرات الدفاعية الأردنية وتوسيع قدرة البلدين على مواجهة التحديات والتهديدات المتغيرة، فيما أكدت فرنسا التزامها بدعم أمن الأردن واستقراره باعتباره عنصرا أساسيا في أمن واستقرار الشرق الأوسط. وهنا تكمن أهمية الاتفاقية، فهي ليست مجرد وثيقة تعاون عسكرية، بل جزء من إعادة تنظيم العلاقة الدفاعية بين عمان وباريس في مرحلة أصبحت فيها البيئة الأمنية المحيطة بالأردن أكثر تعقيدا.
ومن المهم التمييز هنا بين مفهوم التحالف العسكري التقليدي وبين ما تم توقيعه فعليا. فالوثائق الرسمية تتحدث عن اتفاقية تعاون دفاعي وشراكة دفاعية وأمنية معمقة، ولا تعلن عن تحالف دفاعي بمعنى الالتزام التلقائي بالدخول في الحرب إلى جانب الطرف الآخر. لكن الاتجاه الاستراتيجي واضح، وهو الانتقال إلى مستوى أوسع من التعاون في الدفاع والأمن وبناء قدرات أردنية أقوى وربطها بشراكات دولية أكثر رسوخا. وهذا يفتح أمام الأردن مجالا أوسع للتدريب والتنسيق وتبادل الخبرات وتعزيز الجاهزية في مواجهة التهديدات المستجدة.
وفي المقابل لم يكن الأمن الأردني منفصلا عن الدبلوماسية الإقليمية في زيارة باريس، بل ظهر الاثنان كجزء من رؤية واحدة. فجلالة الملك أكد خلال مباحثاته مع ماكرون ضرورة تكثيف الجهود الدولية لاستعادة التهدئة واحترام سيادة الدول العربية وضمان أمنها، بينما شدد اللقاء الثلاثي الذي جمع الملك وماكرون والرئيس اللبناني جوزاف عون على ضرورة العمل من أجل تهدئة شاملة ومستدامة تعيد الاستقرار إلى المنطقة. الرسالة السياسية هنا أن حماية الأردن لا تبدأ عند حدوده فقط، بل تبدأ أيضا من محاولة منع الأزمات الإقليمية من التحول إلى حروب أوسع ومن هنا يكتسب الملف اللبناني أهمية استثنائية في التحرك الأردني. فقد ترأس جلالة الملك إلى جانب الرئيس الفرنسي والرئيس اللبناني جولة جديدة من مبادرة اجتماعات العقبة في باريس ركزت على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته في الحفاظ على أمن لبنان وسيادته وحصر السلاح بيد الدولة. كما شارك في الاجتماع قادة عسكريون وخبراء من دول عربية وأوروبية وغربية وآسيوية إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس محاولة تحويل دعم لبنان من مواقف سياسية عامة إلى آليات تعاون دولية أكثر تنظيما في المجالين العسكري والأمني
والأردن في هذا الملف لا يتحرك باعتباره طرفا لبنانيا في الصراع، وإنما باعتباره دولة ترى أن استقرار لبنان جزء من استقرار المشرق كله. ولذلك أكد جلالة الملك وقوف الأردن إلى جانب لبنان ودعم جهوده للحفاظ على أمنه واستقراره وسيادته، كما شدد على ضرورة وقف الاعتداءات على الأراضي اللبنانية. والهدف الأوسع هو منع تحول لبنان مجددا إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها القوى الإقليمية والدولية بما يزيد احتمالات اتساع الحرب في المنطقة.
واللافت أيضا أن باريس جمعت في يوم واحد بين البعد الدبلوماسي والبعد الدفاعي. ففي الوقت الذي كان فيه الملك يعمل مع ماكرون وعون على دعم الجيش اللبناني والدفع نحو التهدئة، كان يشهد في الوقت نفسه توقيع اتفاقية دفاعية مع فرنسا. وهذا التزامن يحمل دلالة سياسية مهمة مفادها أن خفض التصعيد لا يعني إضعاف أدوات الدولة أو تركها مكشوفة أمام المخاطر، بل يمكن أن يسير بالتوازي مع رفع مستوى الجاهزية وتعزيز الشراكات الدفاعية. فالدبلوماسية تحتاج إلى قوة تحمي نتائجها، والقوة تحتاج إلى سياسة تمنع استخدامها في صراعات مفتوحة
ويزداد هذا البعد أهمية في ضوء ما ورد في البيان الأردني الفرنسي المشترك من إدانة فرنسية للهجمات الإيرانية التي استهدفت الأردن، إلى جانب تأكيد البلدين دعمهما لمسار دبلوماسي يفضي إلى أمن واستقرار مستدامين في المنطقة. وهذه النقطة تحديدا تجعل اتفاقية الدفاع جزءا من سياق أوسع يتعلق بحماية الأردن في بيئة أمنية متحركة، وليس مجرد تطوير لعلاقة ثنائية تقليدية. فحين تصبح التهديدات عابرة للحدود فإن بناء شبكات اتصال وشراكات دفاعية متعددة الأطراف يصبح واحدا من أدوات الدولة في تقليل المخاطر ورفع القدرة على التعامل معها.
كما أن اختيار فرنسا ليس تفصيلا هامشيا. باريس تمتلك حضورا سياسيا وعسكريا في ملفات الشرق الأوسط، وتتبنى في الملف اللبناني دورا مباشرا في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، بينما أكد قصر الإليزيه أن الشراكة الدفاعية الفرنسية الأردنية والتنسيق بين البلدين يخدمان أيضا جهود خفض التصعيد الإقليمي. وبذلك تتحرك العلاقة الأردنية الفرنسية على أكثر من مستوى في الوقت نفسه، من الأمن والدفاع إلى لبنان والاستقرار الإقليمي، وهو ما يمنح عمان مساحة إضافية للحركة في مرحلة تتغير فيها موازين القوى والتحالفات
والأهم أن ما جرى في باريس لا ينبغي قراءته منفصلا عن المسار الذي أسسه الأردن منذ إطلاق مبادرة اجتماعات العقبة عام 2015. المبادرة التي بدأت بهدف تعزيز التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات بين دول المنطقة والشركاء الدوليين تحولت تدريجيا إلى منصة أوسع يستطيع الأردن من خلالها أن يجمع القوى الدولية والإقليمية حول ملفات أمنية حساسة. واستضافة فرنسا للجولة الجديدة ليست فقط دعما للبنان، وإنما تعكس أيضا قدرة الدبلوماسية الأردنية على نقل مبادراتها من الإطار الإقليمي إلى دوائر القرار الدولي.
في المحصلة، فإن تحرك جلالة الملك عبدالله الثاني في باريس يقدم صورة واضحة عن طبيعة الاستراتيجية الأردنية في هذه المرحلة: الانخراط السياسي لمنع الحرب، والتحرك الدبلوماسي لاحتواء الأزمات، وبناء شراكات دفاعية لحماية الأمن الوطني، ودعم مؤسسات الدول العربية حتى لا تتحول ساحاتها إلى فراغات أمنية تستدعي مزيدا من التدخلات الخارجية. وهذه المعادلة تبدو أكثر أهمية بالنسبة للأردن تحديدا، لأن المملكة تقع في قلب منطقة تتجاور فيها الأزمات وتتداخل فيها ساحات الصراع من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق وصولا إلى التوترات الأوسع في الإقليم. لذلك فإن بناء شبكة أوسع من الشراكات الدفاعية لا ينفصل عن سياسة خفض التصعيد، بل يشكل في القراءة العملية جزءا من سياسة الوقاية ومنع المفاجآت الأمنية قبل تحولها إلى أزمات أكبر.
إن رسالة باريس الأساسية هي أن الأردن لا يريد أن يكون مجرد متلق لتداعيات ما يجري حوله، بل يسعى إلى التأثير في مساراته السياسية والأمنية. ومن دعم لبنان إلى الدفع نحو التهدئة، ومن تثبيت الشراكة مع فرنسا إلى توسيع القدرات الدفاعية، يتحرك الأردن عبر مسارين متلازمين: صناعة الاستقرار سياسيا، وحماية الدولة أمنيا. وفي منطقة تتسع فيها حدود الخطر وتتراجع فيها قدرة الاتفاقات وحدها على ضمان الأمن، يبدو أن عمان تعمل على بناء معادلة تقوم على الدبلوماسية في المقدمة والشراكة الدفاعية خلفها، بحيث لا يكون خفض التصعيد تعبيرا عن الضعف، بل جزءا من سياسة دولة تحاول أن تحمي أمنها من خلال منع المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من الحروب
