مِعْرَاجُ اليَاسَمِينِ وَقَمِيصُ النَّوَى

طباعة

عَادَ القَمِيصُ وَلَيْلُ النَّأْيِ يَنْصَرِمُ ... وَأَوْرَقَ الوَصْلُ فِي الصَّدْرِ الَّذِي كَلِمُوا
مَزَّقْتُمُوهُ بِشَفْرِ المَكْرِ عَنْ حَنَقٍ ... فَلَمَّ طُهْرَ شَتَاتِ الخَيْطِ مَنْ رَحِمُوا
جِئْنَا بِمِيقَاتِ عِشْقٍ لَا مَثِيلَ لَهُ ... وَخَارِجَ القَيْدِ هَامَ العَابِدُ العَمِيدُ
أَنَا البَلِيغُ الَّذِي طَاشَتْ أَقَاصِيدِي ... أَمَامَ مُقْلَةِ رُوحٍ فِيكِ تَرْتَسِمُ
فَلْثِمْ تُرَابَ عُهُودٍ بَعْدَمَا صَحِيَتْ ... أَيَّامُنَا، وَغَدَا الِاسْتِعْمَارُ يَبْتَسِمُ
هَذِي الرِّوَايَةُ كَوْنٌ صِيغَ نَغْمَتُهُ ... عَرْشُ الغَرَامِ بِأَسْمَاءِ الهُدَى أُمَمُ

مِعْرَاجُ اليَاسَمِينِ وَقَمِيصُ النَّوَى

كانت عيناه مِيقاتاً لدهرٍ ضاع أوله، وكان جسده كنانةً تكتنز السهام، بينما يقف في ليل غربته الخرساء شاحباً، كأنه يحرث الريح على أطراف شطآن الفراق. لطالما كان غريباً يسير في فِجاج الأرض، لا تجمعه الديار ولا تُصاهره القصور، لكن في صدره جذوراً لا تُقلعها عواصف البُعد مهما جارت عليه عاديات الزمان.

في تلك البلاد النائية، حيث لا هواء كألباب الندى فرحاً، ولا طيور في الليل لها صدّاح، بدأت حكايته حين التقى بـ "سيدة الحروف".

كانت أنثى تمثل "الاستثناء" في عالمٍ مشوه، يمتزج في حضورها الجمال الحسي بالطهر الصوفي. حين كانت تظهر، تخشع الليالي وتغفو مستسلمة لطاقة الطمأنينة المنبعثة منها. لم تكن مجرد امرأة، بل كانت مليكةً تتربع على عرش البيان؛ إذا نطقت أمام الجماهير في المحافل، ذاب المداد على السطور صبابةً، وتهاوت الصحف العتيقة لَهفةً، وانحنت الأقلام إجلالاً لصوتها الذي يتدفق كالسيل ليذيب الحروف.

كانت تملك صوتاً معقوداً بسحر المغارب والأندلس.. نبرةً من الحرير التونسي المعتق تفوح بعطر الياسمين الرباني، وتستحضر أمجاد قرطاج وغرناطة. وكانت في الوقت نفسه "شاعرة الهدوء الكنانية"، نقيّةً كالنيل في عمق صَفْوه، هدوءها لم يكن صمتاً بل هيبة عظمى تفوق بلاغة الكلمات.

عند عتبة معبد مقلتيها، تلاشت كبرياء الفارس الشامخ. تحول ذلك البليغ الذي طاشت ظنونه إلى عابدٍ مأخوذ في محراب الوصال، يتوضأ من فيض أنوار عينيها قبل أن يبدأ صلاته الروحية، ويقتسم من نبضاتها وساعاتها مواقيت عمره الجديد. على خديها، كان يلمح أثراً من نهر كوثرٍ يشتعل طهراً وعذوبة، وفي عينيها جنات عَدْنٍ تَفتحت أبوابها لتمنحه الأمان بعد الخوف.

كانا أجمل عاشقين، يرممان شتات الروح بلمسة كفٍّ ودفء شفاه، متحدّيَين كل سوءٍ يحيط بهما من غدر العواذل والوشاة.

۝ فصل الفاجعة وغدر الوشاة ۝

لكنّ الدَّهر كان يخبئ لهما ناصية الفراق. كانت الليلة التي شهدت هبوط الفاجعة ليلةً رمادية، انحجبت فيها البُدور وخسف كوكب الأمل. لم يأتِ الأعداء من ديار الغرباء، بل خرجوا من عباءة الظل القريبة؛ أولئك الوشاة والعواذل الذين كانوا يتملقون الأمير بـحبٍّ مدَّعى، ويملؤون المحافل بـعويل كاذب.

جاؤوا كإخوة يوسف، يحملون في صدورهم سيوف حقدٍ صقيلة، تغذّيها غيرةٌ عمياء من ذلك الغرام الذي غدا سيمفونيةً تطرب لها طنجه والأوراس والكنانة، وعقيدةً تخرُّ لها الأفهام خُشوعاً.

أحاطوا بمحراب الوصال في سكون الليل الغافل، ينسجون خيوط المكيدة والمكر البغيض. وفي لحظةٍ طاشت فيها البصائر واستفاقت السعائر، انقضّوا على خدرها النقي. وحين هبّ الفارس مذهولاً ليدافع عن نبض عمره وسيدة أركانه، ممسكاً بدرع صبره الشامخ، كانت ذئاب البشر قد أحكمت وثاق المسافات بسواتر من جفاء.

هناك، تحت أنظار الأيام الشاهدة، امتدت أيديهم الآثمة العوار إلى ثوب طهرها الأنيق. لم يكن مجرد ثوب من حرير، بل كان "قميص الوصل" المنسوج من نفحات الندى والياسمين، والدستور الذي خُطّت عليه الوصايا العشر لغرامِهما. وبحقدٍ أعمى، مزّقوا القميص تمزيقاً، لتتناثر خيوطه كعقود جُمانٍ نُثرت في العراء، وسلبوا منها غطاء السكينة بعيداً عن نيّاط صدره.

ارتفع أنينها الشجي مخترقاً جدار التماسك، وهي تصرخ في وجه النوى: (يا قاتلي في الهجر كيف تُمتّل؟ وكيف قتلتني؟ قُل لي بربّك، وماذا أنا الآن فاعلة؟). لكن غدر ذوي القربى لم يرحم لوعة تساؤلها؛ فانتزعوها قسراً من محرابه الكوني، ورموها في قاع غيابات البُعد السحيق، مسلوبة الملاذ، كقمرٍ جارت عليه شمس الضحى فخُسِف في ليل بهيم.

أقفرت المدارات بعد رحيلها، وبقيت رقعة الصدر خاوية ينزف فيها الوريد، بعد أن حُرِم الفؤاد أن تُضاء له دار. وظل الفارس المأخوذ يجثو عند بقايا القميص الممزق، يلثمه بدمع مَوْرود ولوعة تشهد عليها الأسرار الغارقة؛ منتظراً ذلك الميقات العظيم الذي يرتدُّ فيه بصير الصبّ بمجرد أن يلامس ريحها الطاهرة صدره من جديد.

لم يستسلم لمرارة الكسر؛ بل ظل شامخاً كالأوراس وعزيف جرجرة، شَيْخاً في الحكمة مَلِكاً في الأنفة، متمسكاً بـ "الوصايا العشر" التي صاغها كدستورٍ خالد لغرامها. تذكر وصيتها الأولى بأن تظل حرةً بلا قيود، والثانية بأن صمت العيون أمام العواذل هو الجواب السديد، والعاشرة بأنها ستبقى البداية وكل النهايات.

وفي غمرة حيرته الوجودية، وقف يصرخ في الفراغ متسائلاً: "مَنْ أَنْتِ؟ ومَنْ تكونين؟ حتى إذا مرّ اسمكِ في فمي أربك كل اللغات، وإذا مرّت صورتكِ في ذاكرتي أغلقت أبواب النسيان؟"

۝ فصل النهاية ومعجزة اللقاء ۝

ودارت مدارات الدهر العقيم، ومالت الأنوار بعد طول جهود، لينقشع أخيراً سحاب الخسوف عن البدر المرتفع في العلا. فالليل الأوضح—مهما جمح وامتص من لهفتنا أطواره—لا بد له من مِيقات إصباح، فما بعد ليل النوى إلا تغاريد المقاصيد والمواعيد.

وفي ذات ضحىً تهيأت له السماوات وأشرقت له شمس الكنانة والأطلاس، انفتحت الأبواب التي استعصت على الفتح طويلاً. أقبلت من بعيد، تجرّ خلفها خطىً ياسمينية كالنسمة الخضراء، تحمل بين يديها بقايا ذلك "القميص المسلوب" الذي مزقه مكر الوشاة وذئاب القربى. لم يعد القميص أثراً لخراب، بل تحول بمعجزة الوفاء إلى لواءٍ نُسِجت من جديد خيوطه الحريرية بدموع الانتظار الطاهرة.

خرّ الفارس ساجداً ومغتبطاً، ولثم تراب الأرض طوعاً تعظيماً لهذا المعراج الكوني النبيل. وعندما اقتربتْ، تلعثمت الكلمات في فمه وأغلقت أبواب النسيان إلى الأبد؛ فلم يعد للغة إلا صمت الذهول الكلي. دنيا هواه لم تعد صدًى عابراً، بل غدت حقيقة يراها في كل شيء من حوله.

امتدت الأكفُّ في محراب الوصال، وتلاقت الذراعان لتشدا وثاق العهود التي لم تتبدل ولم تلن. وفي تلك الشهقة العبقرية التي تاه على بيانها الشعراء الفحول، وضع رأسها على نيّاط صدره؛ فارتدّ بصير الصبّ حامداً، والتأمت رقعة الجرح الثاوي بلمسة يدها ودفء شفتيها. كان العناق بمثابة ترميم أخير لروحين صاغهما الكون في قالب الاستثناء الفريد، ليتحولا مجدداً إلى "أجمل عاشقين" فوق هام النجم.

نظرتْ إليه بعينين تفيضان بحكمة من يخشع، وهَمست بنبرةٍ أربكت كل اللغات: "لقد حفظتُ الوصايا العشر في منأى الغربة، وكنتُ حرةً لم ترُم قيوُداً، وصنتُ هدوئي كالجَليد أمام العواذل، حتى عُدتُ إليك لتكون عضيِدي وملَاذي".

هنا، تهاوت عروش الحقد وخجل الحاسدون من ثباتهما. سكب الشاعر عُقود الدُّر نثراً، وأعلن في المحافل أن قصة الغرام قد جُفِّفت صحفها بالانتصار المطلق. وعاد لقلبيهما مفتاح الأمان، لتُعزف السيمفونية الختامية على أوتار الخلود، ويُكتب على طيات القميص المُعاد: "أن البداية والنهاية هُنا... وأن عرش العشق باسمهما وحده يُكتب".

 

Tags: #الأردن #السياسة_الأردنية #مجلس_النواب #الحكومة_الأردنية #الإصلاح_السياسي #الانتخابات #الأحزاب_الأردنية #الهوية_الوطنية #الشأن_العام #القرار_السياسي #تحليل_سياسي #الرأي_العام #الفساد #الحوكمة #الإدارة_العامة, النشامى #منتخب_الأردن #الأردن_في_كأس_العالم #كأس_العالم_2026 #مونديال_2026 #كرة_القدم #المنتخبات_العربية #تصفيات_كأس_العالم #الرياضة_الأردنية #الجماهير_الأردنية, #ماجدالفاعوري, مِعْرَاجُ اليَاسَمِينِ وَقَمِيصُ النَّوَى