كفاءاتنا ليست غائبة وإنما مغيبة
- الكاتب ماجد الفاعوري
- مقالات
- الزيارات: 22

حين يصبح الحوار ترفًا سياسيًا وتتحول الدولة إلى إدارة صامتة أمام وجع الناس
في لقاء جمع أمين عام الحزب الدستوري الدكتور أحمد الشناق والدكتور إبراهيم الخصاونة والدكتور عمر كامل وأنا الكاتب والناقد السياسي ماجد الفاعوري والناشط هيثم بني فارس ومجموعة من الوطنيين والأكاديميين والمفكرين والشباب المؤمنين بالدولة الأردنية وبفكرة الوطن لا بوهم الجماعات العابرة للحدود دار نقاش عميق حول الورقة النقاشية الأولى التي طرحها الملك عبد الله الثاني والتي أسست لمبدأ الحوار والديمقراطية المتجددة باعتبارهما المدخل الحقيقي لبناء الدولة الحديثة لا الدولة الصامتة التي تستمع إلى نفسها فقط
كان السؤال الأكثر قسوة في ذلك اللقاء لماذا لم يعد أحد يسمع لصوت الأردنيين ولماذا تحولت الكفاءات الوطنية إلى مجرد أسماء على الهامش بينما تتصدر المشهد طبقات من المستشارين والحرس القديم وأصحاب الامتيازات والوجوه ذاتها التي أدارت المشهد لعقود دون أن تنتج حلا واحدا للأزمات المتراكمة
لقد وصلنا إلى قناعة واضحة بأن كفاءات الأردن ليست غائبة وإنما مغيبة وأن التغييب لم يعد مجرد خطأ إداري بل أصبح نهجا كاملا لإقصاء أصحاب الفكر الحقيقي والخبرة الوطنية واستبدالهم بمن يجيدون التكيف مع مراكز النفوذ لا مع احتياجات الدولة
المشكلة في الأردن اليوم ليست نقص العقول بل فائض الإقصاء وليست غياب الرؤية بل غياب الإرادة السياسية التي تسمح للكفاءات بأن تتحرك خارج حدود الولاءات الضيقة والمصالح المغلقة
كيف يمكن لدولة تواجه تحديات إقليمية وجودية وتهديدات مباشرة لمستقبلها السياسي والديمغرافي أن تستمر بإدارة المشهد بالعقلية ذاتها التي أوصلتنا إلى هذا الاحتقان الشعبي والسياسي
كيف نطلب من المواطن الأردني أن ينخرط في الحياة السياسية وأن يؤمن بالديمقراطية وأن يشارك في الأحزاب والانتخابات بينما هو عاجز عن حماية أبسط احتياجاته الاقتصادية
لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي دون إصلاح اقتصادي حقيقي لأن المواطن الذي يطارد فاتورة الكهرباء والإيجار وأسعار الغذاء والدواء لن يكون معنيا بالتنظير السياسي بقدر ما سيكون معنيا بالبقاء
لقد تحدثنا في ذلك اللقاء عن معضلة اقتصادية حقيقية تعيشها الدولة الأردنية وهي معضلة لم تأت من فراغ بل جاءت نتيجة تراكمات من السياسات الاقتصادية الفاشلة والتقارير غير الواقعية والإدارة التقليدية للأزمات حتى أصبح التكيف مع المتغيرات العالمية أبطأ بكثير من حجم التغير نفسه
وهنا تكمن الكارثة
العالم يتحرك بسرعة بينما أدوات الدولة ما تزال تتحرك بعقل بيروقراطي مرهق يستهلك الوقت ولا ينتج الحلول
لقد أثبت الواقع أن سلم الأولويات عند المواطن الأردني لم يعد يحتمل المزيد من الخطابات النظرية فوفق منطق الاحتياجات الإنسانية لا يمكن بناء وعي سياسي عند شعب يشعر أن أمنه الاقتصادي مهدد وأن مستقبله غامض وأن فرصه تضيق يوما بعد يوم
ومن هنا كانت واحدة من أخطر الملاحظات التي طُرحت في اللقاء وهي أن الأردنيين أضاعوا فرصة تاريخية بعدم تداول الأوراق النقاشية الملكية بالشكل المطلوب لأن تلك الأوراق لم تكن مجرد نصوص سياسية بل كانت محاولة مبكرة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الحوار والمشاركة والوعي الوطني
لكن ماذا فعلت الحكومات
وضعت تلك الأوراق على الرفوف ثم عادت إلى إدارة الدولة بالعقلية ذاتها التي ترى المواطن رقما لا شريكا وترى الحوار ترفا لا ضرورة وطنية
وفي خضم هذا الانسداد الداخلي يزداد المشهد الإقليمي اشتعالا
فالأردن اليوم لا يواجه تحديات اقتصادية فقط بل يقف أمام مشروع خطير يهدد الهوية الوطنية والاستقرار السياسي من خلال محاولات تهجير الفلسطينيين إلى الأردن وتفريغ فلسطين من أهلها وتحويل الأردن إلى ساحة بديلة للصراع
وفي مواجهة هذا الخطر لا يكفي الخطاب السياسي وحده بل يجب أن تتحول اللاءات الملكية إلى منظومة تشريعية وقانونية صلبة
لا للتهجير
لا للتوطين
لا للوطن البديل
وكلا على القدس
هذه ليست شعارات بل ثوابت وجودية تتعلق بمستقبل الدولة الأردنية وهويتها وسيادتها
لكن الأخطر من ذلك أن رأس المال الأسود ورأس المال السياسي باتا قادرين على إنتاج نخب وحكومات تتماهى مع المشاريع الخارجية أكثر مما تتماهى مع المزاج الوطني الحقيقي
لقد أفرز المال السياسي طبقة حزبية هشة لا تمتلك عمقا فكريا ولا ثقافة حزبية حقيقية حتى أصبح المشهد الحزبي مشوها بصورة غير مسبوقة
كيف يمكن بناء حياة سياسية ناضجة بينما معظم الأحزاب التي دخلت الانتخابات الأخيرة لم يتجاوز عمرها بضعة أشهر
كيف يمكن إنتاج برلمان قوي في ظل هذا الفراغ الفكري والتنظيمي
ولهذا رأينا ضعفا تشريعيا واضحا وضعفا رقابيا وضعفا في الأداء النيابي لأن البناء الحزبي نفسه لم يؤسس على قواعد وطنية وفكرية متينة بل على حسابات سريعة مرتبطة بالانتخابات لا بالمشروع الوطني
كما ناقشنا خطورة التحالفات الهجينة التي جمعت بين تيارات متناقضة من العلمانية والشيوعية والإسلام الراديكالي في محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق مصالح مرحلية لا وفق مشروع وطني واضح
والسؤال الأخطر هنا
أين المشروع الوطني الأردني الخالص
أين الفكر الوطني الذي يحمي الدولة من الذوبان داخل المشاريع العابرة للحدود
لقد تعرض هذا الفكر خلال السنوات الماضية إلى موجات منظمة من التشويه والإضعاف حتى أصبح الوطني الأردني يشعر أحيانا أنه يدافع وحده عن فكرة الدولة بينما تتكاثر المشاريع الموازية التي تعمل على تفكيك الهوية وتشتيت الانتماء وإضعاف الثقة بالمؤسسات
ومع ذلك فإن الأردني ما يزال يمتلك وعيا وطنيا عميقا يستند إلى التاريخ وإلى المرجعيات وإلى إدراك حقيقي لطبيعة المخاطر المحيطة بالدولة
لكن هذا الوعي لا يمكن أن يبقى صامدا إلى الأبد إذا استمرت الحكومات في تجاهل الناس والاستماع إلى الدوائر المغلقة ذاتها
الحكومة اليوم مطالبة بأن تعيد التفكير جذريا بطريقة إدارتها للدولة
مطالبة بأن تعيد الاجتماع إلى الأردنيين لا أن تترك المجتمع يتآكل اقتصاديا ونفسيا وسياسيا
مطالبة بأن تستمع إلى الناس لا أن تكتفي بالتصريحات اليومية التي لا تسمن ولا تغني من جوع
مطالبة بأن تؤمن أن الشعب ليس عبئا على الدولة بل هو مصدر السلطات كما ينص الدستور
ومطالبة قبل كل شيء بأن تدرك أن الأغلبية الصامتة لن تبقى صامتة إلى الأبد
فالصمت ليس دائما علامة رضا بل قد يكون آخر مراحل الاحتقان قبل الانفجار
الأردن لا ينقصه الرجال ولا العقول ولا الكفاءات
الأردن ينقصه فقط أن يفتح الأبواب لأبنائه وأن يتوقف عن إدارة الوطن بمنطق الوصاية السياسية والاقتصادية
لأن الدول لا تنهار عندما تفتقر إلى الموارد فقط بل تنهار عندما تفقد القدرة على الاستماع إلى شعوبها وعندما تتحول الكفاءات فيها إلى غرباء داخل أوطانهم
ماجد الفاعوري
