عندما يخجلون من لغتهم في كل دول العالم تُبنى الحملات الوطنية على الهوية لا على الهروب منها. وحدنا أصبحنا نرى من يعتقد أن الطريق إلى العالمية يبدأ بالتخلي عن اللغة التي صنعت الوجدان الوطني وعن الثقافة التي منحت هذا الوطن شخصيته الخاصة ما الذي يدفع مؤسسة وطنية تمثل الأردنيين جميعًا إلى تقديم المنتخب الوطني بأغنية أجنبية؟ هل أصبح الأردن فقيرًا إلى هذا الحد في فنه وشعره وموسيقاه؟ هل جفت ينابيع الإبداع الأردني حتى نبحث عن لغة أخرى تتحدث باسمنا؟ أم أن هناك من بات ينظر إلى الهوية الوطنية بوصفها عبئًا يجب التخلص منه لا كنزًا يجب الحفاظ عليه؟ من يتابع تجارب العالم يكتشف حجم العبث الذي نعيشه البرازيل لم تصبح البرازيل لأنها غنت بالعربية فرنسا لم تبنِ قوتها الناعمة لأنها استعارت لهجة أجنبية إسبانيا لم تروّج لمنتخبها باللغة الصينية ولا الألمانية ولا العربية الأرجنتين عندما فازت بكأس العالم لم تحتفل بغير لغتها وثقافتها ورموزها اليابان تذهب إلى العالم بهويتها كوريا الجنوبية غزت العالم بثقافتها ولغتها حتى الدول الصغيرة أدركت أن قوة حضورها تنبع من خصوصيتها لا من تقليد الآخرين أما عندنا فهناك من يظن أن الحداثة تبدأ من إلغاء الذات وأن التسويق يبدأ من التنكر للهوية وأن الوصول إلى الجمهور يتحقق كلما ابتعدنا أكثر عن لغتنا وتراثنا هذه ليست مشكلة أغنية فقط. هذه مشكلة عقلية كاملة ترى أن كل ما هو محلي متخلف وكل ما هو أجنبي متفوق عقلية لم تعد تؤمن بأن الأردني قادر على إنتاج محتوى وطني حديث وعصري وجذاب عقلية تنظر إلى الثقافة الوطنية وكأنها عائق يجب تجاوزه بدل أن تكون نقطة الانطلاق الأغرب من ذلك أن من يبررون هذا الخيار يتحدثون عن التسويق وكأنهم اكتشفوا سرًا لم تعرفه الأمم من قبل أي تسويق هذا الذي يبدأ بإضعاف الرابط العاطفي بين المنتخب وجمهوره؟ وأي نجاح يُرجى من حملةٍ تجعل آلاف الأردنيين يتساءلون عن سبب غياب لغتهم من عمل يفترض أنه يمثلهم؟ المنتخب الوطني ليس شركة تجارية تبيع منتجًا في الأسواق المنتخب عنوان للهوية ومرآة للوجدان الشعبي وراية يلتف حولها الناس عندما تختلف توجهاتهم ومواقعهم وعندما يُفرَّغ هذا الرمز من مضمونه الثقافي يصبح مجرد شعار بلا روح لقد تعب الأردنيون من حالة الاستلاب الثقافي التي تحاول إقناعهم بأن التقدم يعني تقليد الآخرين التقدم الحقيقي أن تنتج شيئًا حديثًا من داخل هويتك لا من خارجها أن تتطور وأنت متمسك بجذورك لا أن تقطعها ثم تتفاخر بأنك أصبحت أكثر عصرية والسؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه هو: لماذا هذا الإصرار الدائم على تهميش المكون الثقافي الوطني؟ لماذا يتم التعامل مع التراث الأردني وكأنه مادة ثانوية؟ ولماذا تُستبعد اللغة العربية في كل مرة يراد فيها تقديم صورة جديدة عن الأردن؟ إن أخطر ما في الأمر أن بعض المسؤولين عن مثل هذه المشاريع يعتقدون أن اعتراض الناس سببه رفض التطور بينما الحقيقة أن الاعتراض نابع من رفض الذوبان الأردني لا يرفض الانفتاح على العالم لكنه يرفض أن يُطلب منه التخلي عن نفسه حتى يرضى عنه العالم من حقنا أن نسأل من اتخذ هذا القرار ومن صممه ومن وافق عليه ومن مرره ومن أقنع نفسه بأنه يمثل الأردنيين فمن يحمل مسؤولية رمز وطني عليه أن يدرك أن الهوية ليست لعبة دعائية وليست مادة للتجريب وليست حقلًا لتطبيق نظريات التسويق المستوردة الأمم التي تحترم نفسها تصدر ثقافتها إلى العالم أما الأمم التي تفقد ثقتها بنفسها فتستهلك ثقافات الآخرين وتظن أنها بذلك أصبحت أكثر تقدمًا لهذا فإن القضية ليست أغنية عابرة بل معركة وعي ومعركة هوية ومعركة احترام للذات الوطنية وما نرفضه اليوم ليس لغة أجنبية بل فكرة أن يكون الأردني غريبًا عن نفسه وأن تصبح لغته آخر ما يُفكر به عندما يُراد الحديث باسم وطنه الأردن لا يحتاج إلى هوية مستوردة ولا إلى لهجة مستعارة ولا إلى صورة مصنعة في غرف التسويق الأردن يحتاج فقط إلى من يؤمن به كما هو ويتحدث باسمه كما هو ويقدمه للعالم كما هو ومن لا يرى في الهوية الأردنية ما يستحق أن يُغنى له فالمشكلة ليست في الهوية بل في نظرته إليها
ماجد الفاعوري 