سقوط الأقنعة بعد 7 أكتوبر تعرّي الخطاب الأيديولوجي واستحقاق السيادة الأردنية
- الكاتب ماجد الفاعوري
- مقالات
- الزيارات: 176

بقلم: صخر صلاح المبيضين
فرضت أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة في قطاع غزة تحولاتٍ عميقة في المشهدين الإقليمي والدولي، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مفهوم القوة، وحدود الردع العسكري، ومستقبل القضية الفلسطينية، وطبيعة التحالفات الدولية. غير أن قراءة هذه التحولات لا تستقيم بالشعارات العاطفية أو المبالغات السياسية، بل تتطلب تحليلاً موضوعياً يميز بين الوقائع الميدانية والنتائج الاستراتيجية، ويضع المصالح الوطنية في إطارها الصحيح.
إن الموقف المسؤول لا يبرر استهداف المدنيين، ولا يتجاهل حجم الكارثة الإنسانية، ولا يسمح -في الوقت ذاته- بتحويل المعاناة إلى أداة للتجييش الداخلي، أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية وممارسة الابتزاز على حساب استقرار الدولة الأردنية.
أولاً: الانقسام الفلسطيني وأزمة وحدة القرار الوطني
لا يمكن فهم المأزق الفلسطيني بمعزل عن الانقسام السياسي والجغرافي، لأسبابٍ عديدة؛ أهمها تعدد المرجعيات الفصائلية، وغياب التوافق الوطني القادر على صياغة استراتيجية موحدة للمواجهة السياسية والدبلوماسية، وحماية الحقوق الفلسطينية، وتحديد الأولويات في ظل تحدي "يهودية الدولة".
لقد أظهرت التطورات أن القضية الفلسطينية بحاجة إلى مرجعية سياسية وطنية جامعة ووازنة، ومؤسسات شرعية قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني، وإدارة شؤونه، والتواصل الفعال مع اللاجئين ومخيمات الشتات للمشاركة في صناعة القرار السياسي وفق برامجية سياسية واضحة. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بالرهانات المنفردة أو القرارات التي تتجاوز حسابات المجتمع ومصالحه، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر في ظل تعدد مراكز القرار وتضارب الأهداف.
ومن هنا، فإن دعم السلطة الوطنية الفلسطينية المعترف بها دولياً، وتعزيز مؤسساتها وقدرتها على الحكم وتجاوز الانقسام ونقاطه الحرجة، يمثلان جزءاً أساسياً من دعم المسار السياسي الفلسطيني؛ والغاية هي تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية، مع صون حق العودة وفق المرجعيات الدولية والإقليمية ذات الصلة.
ولا يعني ذلك منح أي طرف صكاً بالحصانة من النقد؛ فالإصلاح والمساءلة ومكافحة الفساد وتجديد الشرعية عناصر ضرورية لبناء مؤسسات وطنية فاعلة وقادرة على استعادة ثقة الشعب الفلسطيني.
ثانياً: إخفاق السابع من أكتوبر وحدود القوة العسكرية
أثبتت أحداث السابع من أكتوبر 2023 وقوع إخفاقات استخبارية وأمنية وعسكرية إسرائيلية خطيرة، مكّنت هجوماً تقوده حركة "حماس" من اختراق المنظومة الحدودية والوصول إلى مواقع عسكرية ومناطق مدنية. لكن هذا الإخفاق، على خطورته، لا يثبت وحده انهيار الجيش الإسرائيلي أو زوال قدراته العسكرية والاستراتيجية.
إن التمييز بين الإخفاق الأمني والضعف العملياتي المؤقت من جهة، وبين الانهيار الاستراتيجي من جهة أخرى، ضرورةٌ منهجية لفهم الوقائع بعيداً عن التهويل والتضخيم الأيديولوجي. لقد كشفت الأحداث ثغرات في التقدير الاستخباري والاستعداد والإنذار المبكر، لكن أعقبتها حملة عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق أظهرت استمرار القدرة على الحشد والتعبئة واستخدام القوة النارية والتدميرية.
وعليه، فإن تصوير ما جرى باعتباره هزيمة عسكرية إسرائيلية شاملة، أو انهياراً نهائياً لنظرية الأمن الإسرائيلية، يتجاوز ما تسمح به الأدلة. وفي المقابل، فإن تجاهل الإخفاقات التي سبقت الهجوم أو التقليل من آثارها لا يقل ابتعاداً عن الموضوعية.
المعيار الحقيقي لقراءة النتائج ليس حجم الشعارات التي تُرفع بعد المعارك، بل ما تحقق فعلياً من أهداف سياسية وعسكرية، وما ترتب عليه من خسائر بشرية واقتصادية، وما إذا كانت النتائج قد قرّبت المنطقة من تسوية مستدامة أم دفعتها إلى مزيد من الصراع.
ثالثاً: غزة بين الكارثة الإنسانية وحسابات القوة الدولية
تكشف الحرب في غزة عن فجوة هائلة بين الشعارات السياسية والواقع الإنساني؛ فقد تعرض القطاع لدمار واسع، وتضررت المرافق السكنية والصحية والتعليمية وشبكات المياه والكهرباء، وعانى السكان من النزوح المتكرر ونقص الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن اقتطاع وضم مساحات شاسعة من أرض غزة تتجاوز 30% وتحديد ما يُسمى بـ "الخط الأصفر" كحدٍّ فاصل للهدنة المدّعاة. وفي ظل الطروحات المتعلقة بـ "مجلس السلام" المقترح، تظل المعاناة الإنسانية هائلة وفوق كل تصور، وإن أي محاولة لتجميل هذا الواقع تعد استخفافاً بدماء الأبرياء وآلام الضحايا وذويهم.
إن حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض العقاب الجماعي والتهجير القسري، هي التزامات ومبادئ لا تسقط تحت ضغط الصراع. كما أن الانتهاكات التي تستهدف المدنيين، أيّاً كان مرتكبها، تستوجب التحقيق والمساءلة وفق القانون الدولي.
وفي قراءة موازين القوة، أظهرت الحرب استمرار الدعم السياسي والعسكري الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، وإن اختلفت مستويات هذا الدعم ومواقف الدول وتفاصيل سياساتها. وهذا يؤكد أن الحديث عن عزل إسرائيل عسكرياً أو اقتصادياً بصورة كاملة لا يعكس واقع المشهد الدولي.
لقد أثبتت التطورات أن التعاطف الشعبي العالمي مع الفلسطينيين، على أهميته، لا يتحول تلقائياً إلى تغيير في موازين القوة، ولا يجب أن يُفهم من هذا التعاطف تأكيدٌ على شرعية فصيل عسكري، بل هو وقفة إنسانية مع الضحية ضد الجلاد. فالتأثير السياسي يحتاج إلى عمل دبلوماسي منظم، وتوافق عربي ودولي، وأدوات قانونية واقتصادية فاعلة، وقيادة فلسطينية قادرة على تحويل التأييد الدولي إلى خطوات عملية، كما برعت الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين في انتزاع الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، وليس آخرها الموقف البريطاني.
رابعاً: التحالفات الأيديولوجية ومخاطر التجييش الداخلي
من القضايا التي تستحق الدراسة في المشهد السياسي الأردني طبيعة التوافقات التي قد تنشأ بين بعض تيارات اليسار الراديكالي وبعض تيارات الإسلام السياسي (ومنها جماعة الإخوان المسلمين)، رغم الاختلافات الفكرية والتاريخية الواضحة بين هذه الأطراف.
ولا تكمن أهمية هذا الموضوع في افتراض وجود تحالف شامل أو ثابت بينها، بل في دراسة الحالات التي تتفق فيها خطاباتها أو أدواتها التعبوية، أو ابتعادها عن مؤسسات الدولة، وما أظهره هذا التلاقح من نبرة عدائية ضد الأردن والأردنيين عبر فعاليات ومظاهرات تارةً تحت شعار وقف الحرب على غزة وتارةً باسم القدس، فضلاً عن الحملات الهجومية السيبرانية على وسائل التواصل الاجتماعي التي انتهكت الأعراف والمسلمات الأردنية؛ مما يستدعي المراجعة الشاملة والوقوف الجاد أمام هذا الاصطفاف، ولنا في وقفات الكالوتي وخلية الإخوان (15/4/2025) عبرةٌ لأولي الوطن.
ومع ذلك، فإن استغلال القضية الفلسطينية لإثارة الانقسام الداخلي، أو التشكيك المطلق في المؤسسات الوطنية، أو نشر معلومات مجتزأة ومضللة، يمثل خطراً يستوجب المواجهة بالوعي والمعلومة والأطر التشريعية الناجزة. كما أن توظيف الشعارات الأيديولوجية لإقصاء المخالفين أو احتكار تمثيل الشارع لا يخدم القضية الفلسطينية.
إن حماية الاستقرار لا تعني إغلاق باب النقد السياسي أو تقييد التعبير السلمي، بل تعني التمييز الواضح بين المعارضة المشروعة والتحريض على الفوضى، وبين النقد المؤسسي المسؤول ونشر الادعاءات غير الموثقة؛ فالدولة القوية لا تخشى النقاش العام، وإنما تستند إلى سيادة القانون، وشفافية المؤسسات، وثقة المواطنين.
خامساً: النظام الدولي متعدد الأقطاب وسوء قراءة التحولات
إن ربط نشوء نظام دولي متعدد الأقطاب بأحداث السابع من أكتوبر وحدها قراءةٌ تختزل مساراً تاريخياً طويلاً في حدث إقليمي واحد. فقد سبقت هذه الأحداثَ ثلاثةُ عقود من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وصعود الصين، وعودة روسيا لتوسيع نفوذها الدولي، وتزايد أدوار قوى إقليمية واقتصادات ناشئة، إلى جانب محاولات دول مجموعة "بريكس" تعزيز التعاون فيما بينها.
فمن السذاجة بمكان ربط تشكل النظام الدولي الجديد بتلك الأحداث فحسب، بل ينبغي فهم أبعادها بوصفها جزءاً من مسار أوسع لا سبباً فريداً للتغيير الدولي. وتكمن المسألة الأساسية في قدرة الدول على استيعاب هذه التحولات وتوظيفها بما يخدم مصالحها؛ فالتعددية القطبية لا تعني تلقائياً قيام نظام أكثر عدالة، ولا تضمن تراجع الصراعات، بل قد تفتح المجال أمام تنافس أشد على النفوذ والأسواق والممرات الاستراتيجية والموارد.
وبالنسبة إلى الأردن، فإن التعامل مع هذه التحولات يتطلب دبلوماسية متوازنة، وتنويع الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز العلاقات العربية، مع الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القائمة، وتجنب الارتهان لمحور دولي واحد. وتتجلى مساعي الحكومة الأردنية في تحقيق الاستفادة من مشاريع الربط القارية (كـ "طريق الحرير" الصيني و"طريق الهند" التجاري)، وفي التعاطي مع تداعيات التصعيد الإقليمي كالحرب الإيرانية-الأمريكية واحتمالات إغلاق مضيق هرمز، بالتحول نحو النقل البري والموانئ البديلة كميناء العقبة. إن الأهمية الجيوستراتيجية لموقع الأردن بين شمال الخليج والعراق وسوريا، والربط مع ميناء طرطوس ونحوه باتجاه أوروبا، تمثل تقاطعات حيوية فريدة وفرصةً يجب استثمارها بما يحقق التنمية الاقتصادية المستدامة للأردن ولدول الجوار.
سادساً: الأردن والقضية الفلسطينية وأولوية الأمن الوطني
يتعامل الأردن مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية ترتبط بالأمن القومي العربي، وبالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبالاستقرار الإقليمي. وقد ظل رفض التهجير القسري والتوطين والوطن البديل من الثوابت الأساسية للموقف الأردني، انطلاقاً من صون الهوية الوطنية الأردنية وحماية حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وإقامة دولتهم المستقلة.
ولا تعني هذه الثوابت أن الأردن مطالب بالانجرار إلى حروب لا تخدم أهدافه الوطنية أو تعرّض شعبه ومقدراته لمخاطر غير محسوبة؛ فمسؤولية الدولة تقتضي تقدير العواقب، وحماية الحدود، وصيانة الاستقرار الداخلي، واستخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية والإنسانية بفاعلية.
كما أن دعم الشعب الفلسطيني لا ينبغي أن يُختزل في تأييد الفصائل المسلحة أو تبني خياراتها؛ فهناك فرق جوهري بين مساندة الحقوق الوطنية الفلسطينية ودعم المؤسسات الشرعية وتقديم الإغاثة الإنسانية، وبين منح أي فصيل تفويضاً مطلقاً لاتخاذ قرارات الحرب والسلم نيابة عن الشعب الفلسطيني.
إن مصلحة القضية الفلسطينية تقتضي مساراً سياسياً قابلاً للاستمرار، يستند إلى الشرعية الدولية، وينهي الاحتلال، ويرفض التهجير، ويضمن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. كما تقتضي تنسيقاً أردانياً-فلسطينياً وعربياً يحول دون فرض حلول أحادية تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تمس السيادة الأردنية. وفي الداخل الأردني، تبقى قوة الدولة في تكامل مؤسساتها، وكفاءة أجهزتها، واحترام الدستور والقانون، وتماسك المجتمع، وقدرة الاقتصاد على مواجهة الضغوط؛ إذ لا ينفصل حماية الأمن الوطني عن تعزيز الثقة العامة ومواجهة الأزمات الداخلية ومعالجة أولويات المواطنين الأردنيين.
بين الشعارات والمسؤولية الوطنية
إن الدرس الأهم من تداعيات السابع من أكتوبر هو أن الحروب لا تُقاس بما تثيره من مشاعر أو ما ترفعه من شعارات، بل بنتائجها الفعلية على الشعوب والدول ومستقبل القضايا التي تخدمها. وليس أدل على ذلك من حالة التنافر بين الأيديولوجيات (الإخوانية واليسارية) والواقع السياسي، والمفارقة بين الادعاء والصوابية السياسية، في وقت دفع فيه المدنيون الفلسطينيون ثمنًا إنسانيًا بالغ القسوة.
لقد أثبتت الأحداث للجميع أن الانقسام الفلسطيني، وغياب الاستراتيجية السياسية الموحدة، والتوظيف المصلحي للقضايا الوطنية، هي جميعها عوامل تستوجب مراجعة جادة ومسؤولة؛ فالقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، والحقوق الوطنية لا تُصان بالمزايدات، والاستقرار الأردني ليس ساحة لتصفية الحسابات بين التيارات السياسية.
إن المطلوب اليوم هو دعم مسار السلطة الوطنية الفلسطينية، وتعزيز مؤسساتها وإصلاحها، وتكثيف العمل العربي والدولي لإنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين، بالتوازي مع حماية الأردن من مخاطر التهجير والفوضى والاستقطاب الداخلي، وسد الذرائع أمام المشاريع التياريه والأيديولوجيات الخائبة.
الأردن، بقيادته ومؤسساته وشعبه، معنيٌّ بالحفاظ على ثوابته الوطنية والوقوف إلى جانب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، من دون التفريط بأمنه القومي أو الانجرار إلى مغامرات غير محسوبة. فالحكمة ليست تراجعاً، والواقعية ليست تخلياً عن الحقوق، والنقد المسؤول ليس هدمًا للدولة؛ بل هي جميعها أدوات لحماية الأوطان وصناعة مستقبل أكثر استقراراً.
ويبقى السؤال المفتوح أمام القارئ وصانع القرار: كيف يمكن تحويل التعاطف مع القضية الفلسطينية إلى مشروع سياسي ودبلوماسي قابل للتحقيق، يحمي حقوق الفلسطينيين، ويعزز شرعية مؤسساتهم، ويصون في الوقت نفسه أمن الأردن واستقراره، بعيداً عن مراكز القوى الموازية، والصالونات السياسية المغلقة، ورأس المال التوطيني وتحالفاته المشبوهة التي تستهدف المنجز الوطني الأردني؟
حمى الله الأردن وقيادته وشعبه وجيشه وأجهزته الأمنية..
الأردن أولاً 🇯🇴
