
بقلم: صخر صلاح المبيضين
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع لم تعد المعركة تدور حول امتلاك السلطة وحدها بل أصبحت تدور أيضاً حول امتلاك القدرة على تعريف الواقع وصناعة الرواية التي يصدقها الناس فالقوة لا تحتاج دائماً إلى حجب الحقيقة إذ يكفي أحياناً أن تملك المنبر الذي يحدد ما يصل إلى الناس وما يبقى بعيداً عن أعينهم
لقد تبدلت قواعد اللعبة فالمعلومة لم تعد تنتظر من يبحث عنها بل أصبحت تصل إلينا عبر خبر أو مقطع أو منشور أو بث مباشر ومع كثرة التكرار والانتشار قد تتحول الرواية إلى حقيقة في وعي الناس حتى وإن لم تكن كذلك في الواقع وهنا تبرز خطورة ما يعرف بما بعد الحقيقة حين لا تعود الوقائع وحدها هي التي تمنح الرواية قوتها بل تتداخل معها المشاعر والانطباعات وسرعة الانتشار وقدرة المحتوى على إثارة التفاعل
ومع الخوارزميات الرقمية أصبح ما يظهر أمامنا يتأثر بما نتابعه ونبحث عنه ونتفاعل معه حتى نجد أنفسنا أحياناً أمام صورة للواقع تشبه قناعاتنا أكثر مما تكشف لنا الواقع كاملاً ومن هنا يبرز سؤال أعمق هل نحن نختار ما نراه أم أن جزءاً مما نراه يُختار لنا
ومع اتساع مساحة البث المباشر أصبح الحوار متاحاً أمام الجميع وهذه مساحة مهمة لتبادل الآراء وطرح الأسئلة ومناقشة القضايا العامة لكن المسؤولية تزداد عندما يتحول الحوار من البحث عن الحقيقة إلى صناعة الانطباع أو عندما توجه الأسئلة وتنتقى المداخلات بطريقة تقود المتلقي نحو نتيجة محددة سلفاً
فالاختلاف ليس اتهاماً والنقد ليس خصومة والمساءلة ليست إساءة وإنما المشكلة حين يصبح تداول الرواية بديلاً عن إثباتها وحين يتحول الظن إلى حقيقة والانطباع إلى حكم والتكرار إلى دليل
وفي الشأن العام لا يكفي أن تنتشر المعلومة حتى تصبح حقيقة ولا يكفي أن يملك صاحبها جمهوراً واسعاً حتى تصبح روايته صحيحة فالحديث عن وقائع أو تمويل أو تنسيق أو ارتباطات أو اتهامات يحتاج إلى وثائق وأدلة واضحة قابلة للتحقق لا إلى مجرد الشكوك أو الاستنتاجات أو كثرة التداول مع احترام حق كل طرف في عرض روايته والدفاع عن موقفه
ومن هنا يجب أن نتعلم التمييز بين ما هو ثابت بالدليل وما هو استنتاج قابل للنقاش وما هو مجرد رواية متداولة فالعقل الواعي لا يبحث عن الرواية التي توافق قناعته فقط بل يبحث عن الحقيقة التي يستطيع أن يسأل عنها ويتحقق من مصادرها
فالحقيقة ليست ملكاً لمن يملك المنصة ولا لمن يملك الصوت الأعلى ولا لمن يملك العدد الأكبر من المتابعين فالحقيقة مسؤولية مشتركة وحمايتها تبدأ من معلومة موثوقة ومن عقل لا يكتفي بالسماع بل يسأل من أين جاءت هذه المعلومة وما الدليل عليها وهل يمكن التحقق منها
وفي زمن أصبح فيه نشر الرواية أسهل من التحقق منها أصبحت حماية الوعي جزءاً من حماية الوطن لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصل إلينا معلومة خاطئة فحسب بل أن نبني عليها موقفاً أو حكماً أو قراراً
وهنا يحق لنا أن نتوقف أمام سؤالين لا بحثاً عن إجابة جاهزة بل دعوة إلى التفكير
هل نبحث عن الحقيقة فعلاً أم نبحث عما يؤكد ما نريد أن نصدقه
ومن يملك قوة التأثير في وعينا من يملك المنصة أم من يملك الدليل
فأخطر أشكال التأثير ليست دائماً أن يقال للناس ماذا يفعلون بل أن تصنع لهم صورة عن الواقع ثم يترك لهم أن يختاروا بناء عليها ما يظنون أنه قرارهم وحدهم
إن حماية الحقيقة لا تكون بإسكات الأصوات ولا بمنع الاختلاف وإنما بإعلاء قيمة الدليل واحترام العقل وترسيخ ثقافة التحقق لأن الوطن لا تحميه كثرة الروايات بقدر ما يحميه وعي أبنائه وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة وما يراد لهم أن يعتقدوه
حمى الله الأردن قيادةً وشعباً وجيشاً وأجهزته الأمنية والعشائر الأردنية الأصيلة
الأردن أولاً 🇯🇴